أرسل إليّ بعض إخوتي من طلبة العلم كلاماً لبعض أفاضل أساتذة حوزة النجف العلمية المباركة، تعرّض فيه ـ في سياق الحديث عن اليماني ـ لما ورد في الروايات من أن رايته «راية هدى» وأنها «أهدى الرايات»، فقال ما مضمونه:
«ورد في الروايات: أهدى الرايات راية اليماني، راية هدى، من تبعه فهو مهتد. لماذا؟ تعبر عنه الروايات لأنه الذي يمهد للمهدي ويبشر الناس به».
ثم سألني هذا الأخ الكريم سؤالاً يمكن صياغته علمياً على النحو الآتي:
إذا كانت الرواية قد أمرت بالنهوض إلى اليماني، وعللت ذلك بأنه «الذي يمهد للمهدي»، فإن العلة تعمم وتخصص، فيستفاد من عموم التعليل فيها وجوب التمهيد للمهدي، أو النهوض مع الراية التي تمهد لظهوره ومناصرتها؛ بشرط أن تكون راية هدى، بأن يكون صاحبها عالماً فقيهاً بصيراً عادلاً صادقاً في دعواه.
وبهذه الرواية يمكن تخصيص عموم النهي عن الخروج في زمن الغيبة الذي دلت عليه الروايات الأخرى الكثيرة.
فيكون المنهي عنه في عصر الغيبة ليس مطلق الخروج مع كل راية، وإنما الخروج مع رايات الضلال، أو مع من يدعو إلى نفسه ومشروعه الخاص.
وأما إذا شخص المكلف أن الخارج فقيه عدل، وأن رايته راية هدى، وأنه لا يدعو إلى نفسه وإنما يدعو إلى الإمام المهدي (عليه السلام) وإلى مشروعه، فيكون مقتضى التعليل الوارد في رواية اليماني وجوب النهوض إليه ونصرته والخروج معه.
وهذا سؤال جدير بالتأمل؛ لأنه إذا تم، لم تعد رواية اليماني حكماً مخصوصاً براية معينة من رايات عصر الظهور، وإنما يمكن أن يستفاد منها ضابط عام في التعامل مع الرايات في عصر الغيبة.
ولأجل الجواب عنه ينبغي أولاً الرجوع إلى الرواية نفسها، وضبط ألفاظها، ثم النظر في مقدار ما يمكن أن يستفاد منها، بعيداً عن المعاني التي ربما التصقت بها في التداول وهي غير موجودة في نصها.
أولاً: ماذا قالت رواية اليماني؟
روى النعماني في الغيبة عن أبي بصير، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، أنه قال:
«خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً، فيكون البأس من كل وجه، ويل لمن ناواهم، وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني، هي راية هدى؛ لأنه يدعو إلى صاحبكم، فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس وكل مسلم، وإذا خرج اليماني فانهض إليه، فإن رايته راية هدى، ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار؛ لأنه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم».
وأول ما ينبغي ملاحظته أن الرواية لم تقل إن راية اليماني أهدى الرايات «لأنه يمهد للمهدي»، وإنما التعليل الذي ورد فيها بالنص هو:
«هي راية هدى؛ لأنه يدعو إلى صاحبكم».
ثم قالت بعد ذلك:
«وإذا خرج اليماني فانهض إليه، فإن رايته راية هدى».
وهذا التفريق ليس شكلياً؛ لأن البحث كله يدور حول حدود ما يمكن استفادته من التعليل الوارد في الرواية، فلا يصح استبدال العلة التي ذكرها الإمام لكون راية اليماني أهدى راية وللأمر بالنهوض إلى إليه ـ وهي أنه «رايته راية هدى» ـ بعنوان آخر هو «التمهيد للمهدي»، ثم بناء عموم تشريعي على هذا العنوان المستبدل.
نعم، يمكن للباحث أن يقول: إن اليماني في واقع الأمر يمهد للمهدي، أو إن حركته داخلة في مقدمات ظهوره، وهذا بحث آخر. ولكن ينبغي حينئذ أن يقال: هذا استظهار من مجموع الروايات، لا أن يقال: إن الرواية عللت الأمر بالنهوض إليه بأنه «يمهد للمهدي».
وشتان بين الأمرين.
ثانياً: محل الكلام هو النهوض إلى اليماني
تقول الرواية:
«ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار؛ لأنه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم».
ولا كلام لنا هنا في مدلول قوله: «لا يحل لمسلم أن يلتوي عليه»، ولا في حدود حرمة مناوءته ومخالفته؛ فإن ذلك خارج عن محل السؤال الذي نريد بحثه.
وإنما الكلام في قوله (عليه السلام) قبل ذلك:
«وإذا خرج اليماني فانهض إليه، فإن رايته راية هدى».
فهل هذا الأمر يدل على أن النهوض إليه واجب، ثم يمكن إلغاء خصوصية اليماني والتعدي منه إلى كل راية ترفع قبل الظهور ويشخص المكلف أنها راية هدى؟
هذا هو محل البحث.
ثالثاً: هل «فانهض إليه» أمر مولوي بالوجوب؟
لا إشكال في أن الأمر، بحسب ظهوره الأولي وعند عدم القرينة، ظاهر في الوجوب.
إلا أن هذا الظهور لا يقرأ منفصلاً عن المقام الذي ورد فيه الأمر.
فالمخاطب بهذا النص ليس إنساناً لم يسبق أن ورد إليه شيء في حكم الرايات والخروج قبل قيام القائم (عليه السلام)، حتى يكون قوله:
«فانهض إليه»
وارداً ابتداءً لتشريع وجوب جديد من غير خلفية سابقة.
بل المخاطب ينتمي إلى مدرسة تضافرت فيها النصوص الكثيرة الآمرة بالتحفظ عن الرايات السابقة على قيام القائم (عليه السلام)، والنهي عن المبادرة إلى الخروج لمجرد ظهور رجل صالح أو دعوة تبدو محقة.
ومع وجود مثل هذه النصوص، يتولد بطبيعة الحال توهم بقاء هذا المنع حتى عند ظهور اليماني، وأن على المؤمن أن يستبقي نفسه ولا يلتحق براية حتى يرى شخص الإمام القائم (عليه السلام).
وهنا تأتي الرواية لتقول له:
«وإذا خرج اليماني فانهض إليه».
وعندئذ يحتمل قوياً أن يكون الأمر وارداً في مقام رفع توهم الحظر، لا في مقام إنشاء وجوب مولوي بالنهوض إليه.
وهذا نظير المثال الأصولي المعروف في قوله تعالى:
﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾.
فإن الصيد كان محظوراً على المحرم، فلما قال الشارع بعد الإحلال: «فاصطادوا»، لم يدل ذلك على وجوب الصيد على كل من أحل من إحرامه، وإنما أفاد الأمر ارتفاع المنع السابق.
ولا نقصد بذلك الجزم بأن قوله:
«فانهض إليه»
لا يمكن أن يدل على الوجوب؛ فإن ذلك يحتاج إلى استيفاء البحث الدلالي.
وإنما المقصود ـ وهو كاف في مقامنا ـ أن بناء مفهوم عقدي عام على دعوى وجوب النهوض إلى اليماني، ثم التعدي منه إلى غيره، يتوقف أولاً على إثبات أن الأمر هنا مولوي وجوبي، وأنه لم يرد في مقام رفع توهم الحظر.
ومع وجود هذا الاحتمال المعتد به، لا يمكن جعل ظهور «فانهض إليه» وحده أساساً لنظرية عامة في وظيفة الشيعة طوال عصر الغيبة.
رابعاً: وما الذي يبرر رفع الحظر في خصوص اليماني؟
والجواب يظهر من الرواية نفسها.
فاليماني ليس رجلاً ظهر في زمن الغيبة، ثم جلس المكلفون فدرسوا سيرته، فثبت لهم بحسن الظاهر أنه عادل وصادق النية، وأن مشروعه مشروع صالح.
بل الذي عرّفه لهم هو الإمام المعصوم نفسه.
والذي قال:
«رايته راية هدى»
هو الإمام.
والذي قال:
«يدعو إلى صاحبكم»
هو الإمام.
وفوق ذلك كله، فإن خروج اليماني ليس حادثة منعزلة تقع في زمان مجهول بالنسبة إلى الظهور، بل الرواية نفسها تقول:
«خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً».
فنحن لسنا أمام مشروع يظهر في أثناء الغيبة ولا يعلم المؤمن هل يفصله عن قيام القائم عشر سنوات أو مئة سنة أو قرون.
بل نحن أمام مرحلة من علامات الظهور المتصلة بعضها ببعض.
ومن هنا يمكن فهم وصف رايته بأنها «راية هدى» بما يناسب هذا السياق: فهي راية هدى في نفسها؛ لأنها «تدعو إلى صاحبكم»، وهي أيضاً واقعة في سياق علامات تهدي المؤمن إلى دخول مرحلة متقدمة من إرهاصات الظهور.
وبهذا تختلف جذرياً عن أية راية أخرى يشخص المكلف بنفسه أنها راية حق.
ففي غير اليماني يمكنني أن أحرز عدالة الخارج بحسب الظاهر، وأن أعتقد بصدق نيته، ويمكنه هو أن يعلن أنه لا يدعو إلى نفسه وإنما إلى الإمام المهدي (عليه السلام).
ولكن من الذي يشهد لي بأن تشخيصي مطابق للواقع؟
ومن الذي يخبرني بأن حركته متصلة فعلاً بقيام القائم؟
ومن الذي يضمن لي أن الإمام سيظهر في نهاية هذه الحركة، لا بعد أجيال وقرون؟
أما في اليماني، فهذه المعرفة ليست وليدة الاجتهاد السياسي للمكلف ولا حسن ظنه بشخص، بل جاءت من نص المعصوم نفسه.
وهذا فارق لا يمكن إلغاؤه عند محاولة التعدي من مورد الرواية إلى غيره.
خامساً: رواية أهل المشرق وقرينة «لأبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر»
ويؤيد ما تقدم في فهم قوله:
«فانهض إليه»
وعدم تعين حمله على الوجوب، ما رواه النعماني عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام):
«كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق(١)، يطلبون الحق فلا يعطونه، ثم يطلبونه فلا يعطونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فيعطون ما سألوه فلا يقبلونه حتى يقوموا، ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم، قتلاهم شهداء، أما إني لو أدركت ذلك لأبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر».
وهؤلاء ـ بحسب نفس الرواية ـ ليسوا أصحاب راية ضلال؛ بل هم:
«يطلبون الحق»،
و«قتلاهم شهداء»،
كما أن حركتهم لا تنتهي إلى استئثارهم بما يصلون إليه، بل يقول الإمام (عليه السلام):
«ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم».
ولا نحتاج في مقامنا إلى تحديد موقع هذه الحركة زمنياً من خروج اليماني، ولا إلى الجزم بأن هؤلاء هم أصحاب الخراساني المذكور في الروايات الأخرى؛ فإن النص لا يكفي لإثبات شيء من ذلك.
وإنما الذي يعنينا أن الرواية تصف حركة محقة ممدوحة تنتهي في نهاية المطاف إلى صاحب الأمر (عليه السلام)، ثم يقول الإمام الباقر (عليه السلام):
«أما إني لو أدركت ذلك لأبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر».
وهذا التعبير مهم جداً في محل البحث؛ لأنه يكشف أن مجرد كون الراية راية حق، وكون أصحابها ممدوحين، بل وكون حركتهم منتهية إلى صاحب الأمر نفسه، لا يقتضي تعين النهوض معهم.
فلو كان النهوض إليهم متعيناً على كل من أدركهم، لكان قوله: «لأبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر» على خلاف ما يقتضيه ذلك التعين بحسب ظاهر الكلام.
وإنما الذي يظهر من الرواية أن الالتحاق بهم ـ مع ما وصفهم به الإمام من طلب الحق، وشهادة قتلاهم، وانتهاء أمرهم إلى صاحبكم ـ ليس متعيناً، بل يظهر من قوله: «لأبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر» رجحان استبقاء النفس لصاحب الأمر نفسه.
وهذا يلقي ضوءاً مهماً على قوله في رواية اليماني:
«وإذا خرج اليماني فانهض إليه».
فلا يتعين أن يكون المراد إنشاء وجوب مولوي بالنهوض إليه، بل يحتمل بقوة أن يكون المقصود رفع الحظر المتوهم من النصوص الآمرة بالتحفظ عن الرايات السابقة على القائم؛ أي إنكم إذا بلغتم هذه الراية التي شهدنا لكم بأنها راية هدى، وأخبرناكم أنها تدعو إلى صاحبكم، فلا تتوهموا أن المنع السابق باق بل لكم الخروج معها.
وحين يحتمل ذلك احتمالاً معتداً به، لا يصح جعل «فانهض إليه» أساساً لانتزاع حكم عام بوجوب الالتحاق بكل راية يشخص المكلف أنها راية هدى أو أنها تمهد للإمام.
سادساً: صحيحة العيص بن القاسم... من «لا تجرب بنفسك» إلى «كفاكم بالسفياني علامة»
وإذا كانت رواية أهل المشرق قد كشفت عن أن كون الحركة محقة وممدوحة ومنتهية إلى صاحب الأمر (عليه السلام) لا يستلزم وجوب الالتحاق بها، فإن صحيحة العيص بن القاسم تقدم بياناً أكثر تفصيلاً للمنهج الذي ينبغي أن يتعامل به المؤمن مع الرايات السابقة على قيام القائم (عليه السلام).
والأهمية في هذه الصحيحة لا تكمن في جملة منفردة منها، بل في البناء المتكامل الذي يبدأ بالتحذير من المجازفة بالنفس، ثم ينتقل إلى خروج زيد، وينتهي بإحالة المؤمن إلى علامة السفياني.
روى الكليني في الكافي، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن العيص بن القاسم، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:
«عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وانظروا لأنفسكم، فوالله إن الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي، فإذا وجد رجلاً هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه ويجيء بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها.
والله لو كانت لأحدكم نفسان يقاتل بواحدة يجرب بها، ثم كانت الأخرى باقية فعمل على ما قد استبان لها، ولكن له نفس واحدة إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة، فأنتم أحق أن تختاروا لأنفسكم.
إن أتاكم آت منا فانظروا على أي شيء تخرجون، ولا تقولوا: خرج زيد؛ فإن زيداً كان عالماً، وكان صدوقاً، ولم يدعكم إلى نفسه، إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد (عليهم السلام)، ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه، إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه.
فالخارج منا اليوم إلى أي شيء يدعوكم؟ إلى الرضا من آل محمد (عليهم السلام)؟ فنحن نشهدكم أنا لسنا نرضى به، وهو يعصينا اليوم وليس معه أحد، وهو إذا كانت الرايات والألوية أجدر أن لا يسمع منا، إلا مع من اجتمعت بنو فاطمة معه، فوالله ما صاحبكم إلا من اجتمعوا عليه.
إذا كان رجب فأقبلوا على اسم الله عز وجل، وإن أحببتم أن تتأخروا إلى شعبان فلا ضير، وإن أحببتم أن تصوموا في أهاليكم فلعل ذلك أن يكون أقوى لكم، وكفاكم بالسفياني علامة».
الكافي، ج8، ص264، ح381.
نفس واحدة لا مجال للتجربة بها
ينبغي أن نبدأ من صدر الرواية؛ لأنه يضع الإطار الذي ينبغي أن يفهم فيه جميع ما يأتي بعدها.
الإمام (عليه السلام) يبدأ بقوله:
«وانظروا لأنفسكم».
ثم يضرب المثال اللافت:
«والله لو كانت لأحدكم نفسان يقاتل بواحدة يجرب بها، ثم كانت الأخرى باقية فعمل على ما قد استبان لها...».
أي لو كان الإنسان يملك نفسين لأمكنه أن يخاطر بإحداهما في تجربة صحة تشخيصه، فإن ظهر خطؤه بقيت له الأخرى ليعمل بما انكشف له.
ولكن:
«له نفس واحدة، إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة».
ومن هنا:
«فأنتم أحق أن تختاروا لأنفسكم».
وهذا التعبير شديد الأهمية في بحث الرايات؛ لأن الخروج ليس تجربة نظرية يستطيع الإنسان التراجع عنها إذا ظهر خطأ مقدماتها، بل قد يضع فيها نفسه وأهله ومجتمعه أمام نتائج لا يمكن استدراكها.
ولذلك ينتقل الإمام مباشرة إلى التطبيق:
«إن أتاكم آت منا فانظروا على أي شيء تخرجون».
فليس الميزان أن يعجب الإنسان بشخص الخارج، أو يثق بنيته، أو يرى في شعاراته ما ينسجم مع معتقداته، ثم يجعل نفسه ميداناً لاختبار صحة هذا التشخيص.
«ولا تقولوا: خرج زيد»
ثم يقطع الإمام الطريق على قياس كل خارج على زيد بن علي:
«ولا تقولوا: خرج زيد».
وليس السبب أن زيداً كان رجلاً منحرفاً حتى يكون المعنى: لا تخرجوا مع هؤلاء لأنهم ليسوا صالحين كزيد.
بل الإمام نفسه يجمع لزيد صفات قلّ أن تجتمع في خارج:
«كان عالماً»،
و«كان صدوقاً»،
و«لم يدعكم إلى نفسه»،
بل:
«إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد».
ثم يذهب الإمام أبعد من ذلك، فيشهد لزيد حتى فيما لو انتصر:
«ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه».
وهذه الشهادة الأخيرة تستبعد حتى احتمال أن يكون زيد قد اتخذ الدعوة إلى آل محمد شعاراً للوصول إلى السلطة، ثم ينقلب عليها بعد الظفر.
فإذا كان المناط الذي يراد انتزاعه من رواية اليماني هو علم الخارج وصدقه، وعدم دعوته إلى نفسه، ودعوته إلى الرضا من آل محمد، فقد اجتمع ذلك في زيد ـ وبشهادة المعصوم نفسه، لا بمجرد حسن الظاهر ـ ومع ذلك نهى الإمام عن اتخاذ خروجه سابقة يقاس عليها كل خروج بعده:
«إن أتاكم آت منا فانظروا على أي شيء تخرجون، ولا تقولوا: خرج زيد».
وهذا يجعل صحيحة العيص في صميم السؤال الذي بدأنا منه.
سابعاً: ثلاث مشكلات لا يحلها مجرد حسن الظاهر
بل إن حالنا مع الخارجين في عصر الغيبة أشد إشكالاً من حال زيد؛ لأن زيداً شهد له الإمام نفسه، أما نحن فلا نملك هذه الشهادة في حق أحد.
وهنا تواجهنا ثلاث مشكلات مستقلة.
المشكلة الأولى: ماذا نعرف نحن عن باطن صاحب الراية؟
غاية ما بأيدينا في تشخيص الأشخاص حسن الظاهر.
قد يبدو لنا صاحب الراية عالماً عادلاً، صادق النية، زاهداً في نفسه، مخلصاً للإمام، لا يدعو إلى ذاته وإنما يعلن أنه يريد التمهيد لصاحب الأمر (عليه السلام).
ولكن من أين لنا العلم بباطنه؟
قد يكون تشخيصنا صحيحاً، وقد يكون الرجل في باطن أمره على خلاف ما يظهره تماماً، وصاحب مشروع شخصي أو سياسي خاص، وإنما يتخذ من اسم الإمام والتمهيد له وسيلة لجمع الناس حول سلطانه.
وهذا الاحتمال ليس مجرد فرض عقلي بعيد.
فقد روى الكليني في الكافي عن أبي بصير، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، أنه قال:
«كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله عز وجل».
الكافي، ج8، كتاب الروضة، ح452.
ولا نريد هنا الدخول في البحث التفصيلي عن المراد من عموم «كل راية»، ولا في كيفية الجمع بين هذه الرواية وبين النصوص الأخرى؛ فإن لذلك مقاماً آخر.
ولكن مجرد وجود مثل هذا اللسان العام والشديد في التراث الروائي يكفي لإسقاط دعوى أن الشارع قد فوّض إلينا ابتداءً أن نشخص بأنفسنا رايات الهدى، ثم نرتب عليها حكم اليماني، وإن بقي البحث في المراد النهائي من عموم الرواية وكيفية الجمع بينها وبين سائر النصوص موكولاً إلى محله.
فمثل هذا النص يجعل المؤمن شديد الحذر من أن تكون الراية التي يراها بعينه راية هدى شيئاً آخر في واقعها.
وهنا يظهر مرة أخرى الفارق بين هذه الرايات واليماني.
فنحن لا نقول عن اليماني إنه صاحب راية هدى اعتماداً على حسن ظاهره، بل المعصوم نفسه يقول:
«رايته راية هدى».
ولا نستكشف أنه يدعو إلى الإمام من خطبه وشعاراته، بل المعصوم نفسه يقول:
«لأنه يدعو إلى صاحبكم».
وهذه شهادة بالواقع لا نملك نظيراً لها في الرايات التي نشخصها نحن في عصر الغيبة.
المشكلة الثانية: من يضمن بقاء المشروع على ما بدأ عليه؟
ولنفترض أن تشخيصنا كان صحيحاً تماماً، وأن الخارج كان في أول أمره مخلصاً بالفعل، صادق النية، لا يريد لنفسه سلطاناً، وإنما يريد إقامة الحق والتمهيد للإمام.
فهل يكفي ذلك للحكم على المشروع كله إلى نهايته؟
الحركة البشرية ليست شخصاً واحداً ولا لحظة واحدة، بل تتحول مع الزمن إلى مؤسسات وقيادات ومصالح وسلطات وأجيال جديدة قد لا تحمل نيات المؤسس نفسه.
وقد يبدأ المشروع بإخلاص حقيقي، ثم تتغير أولوياته مع القوة والسلطة، أو ينحرف بعد رحيل مؤسسه على أيدي الذين يرثونه، مع بقاء الاسم والشعارات الأولى.
وهذه ليست فرضية بعيدة، بل تجربة متكررة في التاريخ البشري.
ومن هنا فإن:
صدق المؤسس لا يساوي عصمة المشروع، وإخلاص الجيل الأول لا يضمن إخلاص من يرث المشروع بعده.
ورفع شعار «التمهيد للمهدي» في البداية لا يضمن أن تبقى الحركة أو الدولة في مستقبلها خادمة للمشروع المهدوي.
فالدولة المهدوية نعلم بقاءها على الحق لأن قائدها الإمام المعصوم، أما المشروع السابق عليها فلا عصمة لقائده، ولا لمن يخلفه، ولا لمؤسساته.
ومن ثم لا يمكن أن نستبدل شهادة المعصوم لراية اليماني بثقتنا نحن في مشروع بشري، ثم نجري عليه حكمها.
المشكلة الثالثة: قد يصدق الخارج ولا ينحرف، ولكن الوقت ليس وقته
ولنفترض أكثر من ذلك كله:
أن الخارج صادق واقعاً، وأن المشروع لم ينحرف، وأن أصحابه بقوا على نياتهم الأولى.
فلا يزال أمامنا سؤال آخر:
من الذي أخبرنا بأن الظروف الواقعية التي جعل الله فيها لهذا المشروع النجاح قد تحققت؟
وهذه نقطة مستقلة عن صلاح الأشخاص.
فقد يكون الهدف حقاً، والقائد مخلصاً، والوسيلة في نفسها مشروعة، ومع ذلك يقع التحرك في زمان لا تتوافر فيه شروط النجاح، فينتهي إلى خلاف الغرض الذي انطلق من أجله.
وهنا تأتي مجموعة أخرى من الروايات لتلفت النظر إلى مشكلة التوقيت، لا مجرد مشكلة النية.
فقد روى الكليني في الكافي عن علي بن الحسين (عليهما السلام):
«والله لا يخرج واحد منا قبل خروج القائم (عليه السلام) إلا كان مثله مثل فرخ طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه، فأخذه الصبيان فعبثوا به».
الكافي، ج8، ح382.
والصورة التي ترسمها الرواية شديدة الدقة.
المشكلة في الفرخ ليست أنه سيئ النية، ولا أن الطيران في نفسه أمر باطل، وإنما أنه حاول الطيران قبل أن يستوي جناحاه.
فالفعل الذي سيكون طبيعياً وناجحاً في وقته قد يكون سبباً في الهلاك عندما يقدم عليه قبل اكتمال شروطه.
وقد ورد بمضمون قريب فيما نقل في صدر الصحيفة السجادية عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«ما خرج ولا يخرج منا أهل البيت إلى قيام قائمنا أحد، ليدفع ظلماً أو ينعش حقاً، إلا اصطلمته البلية، وكان قيامه زيادة في مكروهنا وشيعتنا».
والتعبير هنا أوضح من جهة أخرى.
فالخارج قد لا يريد إقامة باطل، بل يخرج:
«ليدفع ظلماً»
أو:
«ينعش حقاً».
ومع ذلك تكون النتيجة:
«إلا اصطلمته البلية».
ولا تقف آثارها عند شخص الخارج:
«وكان قيامه زيادة في مكروهنا وشيعتنا».
فالمشكلة قد لا تكون في فساد الهدف أو سوء النية، وإنما في أن الظرف الذي يسمح بتحقق ذلك الهدف لم يحن بعد.
ومن هنا تفهم النصوص التي تحذر من الاستعجال وطلب ما لم تنضج شروطه.
فالإنسان قد يندفع بدافع ديني صادق، ويرى أن الواجب يقتضي المبادرة، ثم تكشف النتائج أن موازين الواقع التي جعلها الله في الكون لم تكن تسمح للمشروع بالوصول إلى غايته.
ولا يلزم من ذلك الحكم على نية الرجل أو ما بينه وبين الله؛ فهذا شيء، وكون مشروعه هو المشروع الذي كلف الله عامة الشيعة بالانخراط فيه شيء آخر.
ثامناً: ولهذا قال: «لك نفس واحدة»
وهنا نعود إلى صدر صحيحة العيص، وانطلاقاً من هذه الاحتمالات الثلاثة نفهم قول الإمام في صحيح العيص:
«والله لو كانت لأحدكم نفسان يقاتل بواحدة يجرب بها...».
ولكن:
«له نفس واحدة».
أي لا تجعل نفسك ميداناً لتجربة صحة هذه التشخيصات.
ثم يقول:
«إن أتاكم آت منا فانظروا على أي شيء تخرجون».
ثم يسد باب القياس على التجارب الممدوحة:
«ولا تقولوا: خرج زيد».
ثم بعد ذلك لا يترك المؤمن بلا علامة، وإنما يقول:
«وكفاكم بالسفياني علامة».
وهذا التسلسل ينبغي أن يقرأ كوحدة واحدة.
تاسعاً: «وكفاكم بالسفياني علامة»... من تشخيص الرايات إلى العلامة المعرَّفة بالنص
لعل هذه الجملة هي مفتاح الصحيحة كلها:
«وكفاكم بالسفياني علامة».
فبعد أن قال للمؤمن إن له نفساً واحدة، وحذره من تجربة الرايات بها، ومنعه من اتخاذ زيد مبرراً لكل خروج، لم يقل له: ابحث في كل عصر عن أكثر الخارجين فقهاً وعدالة وإخلاصاً، فإذا غلب على ظنك أنه يمهد للمهدي فاخرج معه.
بل أعطاه علامة عرّفها المعصوم نفسه:
«وكفاكم بالسفياني علامة».
وهنا تلتقي الصحيحة مع رواية اليماني بصورة لافتة.
فرواية اليماني تقول:
«خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد».
ثم تقول:
«وإذا خرج اليماني فانهض إليه، فإن رايته راية هدى».
فالصورة التي تحصل من ضم النصين ليست:
انتظروا في كل عصر حتى يظهر رجل تعتقدون أنه صالح وممهد، ثم طبقوا عليه حكم اليماني.
بل:
لا تجربوا بأنفسكم، ولا تقيسوا كل خارج على زيد، وكفاكم بالسفياني علامة؛ فإذا جاءت العلامة التي أخبرناكم بها، وخرج معها اليماني الذي شهد النص نفسه بأن رايته راية هدى، جاء قوله:
«فانهض إليه».
وهذا فارق جوهري.
فالمشكلة القائمة قبل ذلك هي أننا لا نعلم الواقع.
أما في اليماني، فقد تكفل النص نفسه بكشف ما نحتاج إليه في هذه الجهة.
لا نحتاج إلى اكتشاف حقيقة دعوته من أنفسنا:
«رايته راية هدى».
ولا نحتاج إلى التخمين في عنوان مشروعه:
«لأنه يدعو إلى صاحبكم».
كما أن خروجه قد جعل في سياق العلامة التي أحالت إليها صحيحة العيص:
«وكفاكم بالسفياني علامة».
ثم:
«خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد».
ومن هنا يمكن أن يقال إن الأمر:
«فانهض إليه»
لا يؤسس قاعدة عامة لكل عصر الغيبة، بل يأتي في الظرف الذي يرتفع فيه ـ بالنسبة إلى هذه الراية المخصوصة ـ الحظر الذي كان يمكن توهم بقائه عليها، بعد تحقق العلامة التي عرّفها المعصوم وظهور الراية التي شهد لها بالهدى.
وهذا يقوي ما تقدم من احتمال أن يكون الأمر بالنهوض وارداً لرفع توهم الحظر، لا لإنشاء وجوب مولوي يمكن انتزاع مناطه ثم تعميمه على كل راية يراها المكلف راية هدى.
فبدلاً من أن تكون رواية اليماني دليلاً على أن الشارع فوّض إلينا تشخيص الرايات الممهدة طوال عصر الغيبة، يمكن ـ عند ضمها إلى صحيحة العيص ـ أن يستفاد منها أمر مختلف:
أن الشارع، لشدة خطورة هذا التشخيص ولأن للإنسان نفساً واحدة لا يستطيع أن يجرب بها، لم يترك معرفة هذه الراية إلى مجرد حسن الظن بالأشخاص والمشاريع، بل عرّف العلامة، وعرّف الراية، وشهد لها بحقيقتها، ثم قال:
«فانهض إليه».
كلمة أخيرة
ولا ينبغي أن يفهم مما تقدم أننا استوفينا البحث في حكم الرايات والخروج في عصر الغيبة، أو أردنا استقصاء جميع النصوص الواردة في هذه المسألة؛ فإن البحث أوسع من ذلك بكثير، وله جهات أخرى لم نتعرض لها هنا.
ومن أهم تلك الجهات ملاحظة الكثرة الكاثرة من الروايات الواردة في النهي عن الخروج ورفع الرايات قبل قيام القائم (عليه السلام)، واختلاف ألسنتها ومضامينها، وأن جملة منها وردت بألسنة شديدة الإباء عن أن تحمل ببساطة على خصوص رايات الضلال، ليقال بعد ذلك: إن كل راية يشخص المكلف أنها راية هدى، وأن صاحبها يدعو إلى الإمام ولا يدعو إلى نفسه، خارجة عن موضوع تلك النصوص.
ومن هنا فإن بناء أصل عقدي عام في وظيفة الشيعة في عصر الغيبة لا يمكن أن يقوم على اقتطاع رواية اليماني من مجموع هذا التراث الروائي، ثم استفادة وجوب النهوض من قوله: «فانهض إليه»، ثم إلغاء خصوصية اليماني، ثم انتزاع عنوان «راية الهدى» منه، ثم تطبيقه على ما نشخص نحن أنه من رايات الهدى.
فكل خطوة من هذه الخطوات تحتاج إلى إثبات مستقل.
وقد ظهر مما تقدم أن دلالة «فانهض إليه» نفسها على الوجوب قابلة للمناقشة، لاحتمال ورود الأمر في مقام رفع توهم الحظر، وأن رواية أهل المشرق وصحيحة العيص بن القاسم تمنعان من جعل مجرد صلاح الخارج، أو صدقه، أو عدم دعوته إلى نفسه، أو انتهاء حركته إلى صاحب الأمر، مناطاً عاماً لوجوب الالتحاق به.
ومع ذلك، فهذا المقال لم يوضع لاستقصاء المسألة ولا للفصل النهائي في جميع أدلتها، وإنما أردنا به الإجابة عن السؤال الذي وجهه إلينا الأخ الكريم بعد أن نقل لنا كلام الأستاذ الفاضل، وتحديد المقدار الذي يمكن ـ والذي لا يمكن ـ استفادته من رواية اليماني في خصوص هذه الجهة.
أما تفصيل الكلام في روايات الرايات، ونصوص الكف والانتظار، وما قد يتوهم معارضته لها، وكيفية الجمع بينها، وحدود دلالتها على وظيفة المؤمن في عصر الغيبة، فسنتعرض له ـ إن شاء الله تعالى ـ في موضعه من كتابنا الذي نحن بصدد إعداده حول وظيفة الشيعة في زمن الغيبة بين الانتظار والتمهيد.
وغاية ما أردنا إثباته هنا أمر محدد:
إن كون راية اليماني راية هدى، والأمر بالنهوض إليه عند تحقق العلامات التي عرّفها المعصوم، لا يكفي بمجرده لتأسيس أصل عام يقضي بوجوب النهوض إلى كل راية نشخص نحن أنها راية هدى وتمهد للإمام المهدي (عليه السلام).
فبين راية شهد المعصوم بحقيقتها، وحدد موقعها من أحداث الظهور، ثم قال: «فانهض إليه»، وبين راية بشرية نحاول نحن أن نستكشف حقيقة صاحبها ومآل مشروعها بحسن الظاهر والاجتهاد في تشخيص الواقع، مسافة لا يصح تجاوزها إلا بدليل.
والله العالم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) تنبيه: «قوم من المشرق» لا تعني بالضرورة إيران.
ينبغي هنا التنبيه إلى أمر شاع في بعض تطبيقات رواية أهل المشرق، حتى كاد يتحول من مجرد احتمال في تفسيرها إلى أمر مفروغ عنه، وهو أن المراد من قوله (عليه السلام):
«كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق»
هم خصوص أهل إيران، أو أنهم أصحاب الراية الخراسانية المذكورة في روايات أخرى، وكأن «قوم المشرق» و«الخراساني» و«إيران» عناوين متطابقة.
وهذا التعيين لا يظهر له مستند من نفس الرواية.
فالإمام الباقر (عليه السلام) لم يقل:
«قوم من فارس»،
ولا قال:
«قوم من خراسان»،
وإنما قال:
«كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق».
و«المشرق» عنوان جهوي واسع، ولا ينحصر ـ بالنسبة إلى المتكلم في المدينة ـ ببلاد فارس، بل يشمل ما يقع شرقها أيضاً من أقاليم خراسان التاريخية وما وراء النهر وبلاد الترك والهند والصين وما وراءها إلى أقصى المشرق.
ولا نقصد بذلك تطبيق الرواية على أهل الهند أو الصين أو غيرهما؛ فإن تعيين أي مصداق بعينه يحتاج إلى دليل، كما يحتاج تطبيقها على إيران إلى دليل.
وإنما المقصود أمر أضيق من ذلك:
أن لفظ «المشرق» بنفسه لا يعين إيران، فلا يصح تحويل أحد المصاديق المحتملة للعنوان إلى المصداق المقطوع به للرواية من غير قرينة.
وقد يستبعد بعضهم دخول البلاد الأبعد شرقاً في دائرة الاحتمال، باعتبار أن كثيراً من شعوب تلك المناطق لم تكن مسلمة، أو أن بعضها إلى يومنا هذا ليس من الشعوب المسلمة.
غير أن هذا الاستبعاد أيضاً لا يصلح قرينة على حصر الرواية بإيران.
فنحن نتحدث عن أحداث مستقبلية متصلة بآخر الزمان، ولا نعلم كيف ستكون الخريطة الدينية والسياسية والاجتماعية للعالم عند وقوعها، ولا ما التحولات التي ستطرأ على الشعوب والأمم قبل ظهور القائم (عليه السلام).
بل لدينا في نفس روايات الظهور ما يمنع من بناء توقعاتنا على الانتماءات الدينية الموجودة في عصرنا.
فقد عقد النعماني في الغيبة باباً بعنوان:
«ما جاء في ذكر أحوال الشيعة عند خروج القائم (عليه السلام) وقبله وبعده»،
وروى فيه بإسناده عن إبراهيم بن عبد الحميد، عمن سمع أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول:
«إذا خرج القائم (عليه السلام) خرج من هذا الأمر من كان يرى أنه من أهله، ودخل فيه شِبْه عبدة الشمس والقمر».
فالخبر يرسم صورة مغايرة لما يمكن أن يتوقعه الإنسان بالنظر إلى الاصطفافات الدينية القائمة قبل الظهور:
أناس كان يرى أنهم من أهل هذا الأمر يخرجون منه، وفي المقابل يدخل فيه من عبّر عنهم الإمام (عليه السلام) بـ:
«شِبْه عبدة الشمس والقمر».
ولا نحتاج في مقامنا إلى تحديد المراد الدقيق من «شبه عبدة الشمس والقمر»، ولا إلى تطبيقه على قوم أو ديانة معينة؛ فإن ذلك خارج عن محل البحث.
وإنما موضع الشاهد أن الرواية تمنعنا من افتراض بقاء الخريطة الدينية والاجتماعية التي نعرفها اليوم على حالها إلى زمن الظهور، بحيث نستبعد شعباً أو إقليماً من أحداث النصرة لمجرد أن واقعه الديني اليوم لا ينسجم مع الصورة التي رسمناها مسبقاً لأنصار الإمام.
بل قد يخرج عند الظهور ممن كان يرى نفسه من أهل هذا الأمر، ويدخل فيه من لم يكن الإنسان يتوقع دخوله.
ومن هنا لا يمكن أن يقال: إن المراد من «المشرق» ينبغي أن يكون إيران؛ لأنها اليوم بلد مسلم يغلب عليه التشيع، بينما الجهات الأبعد في المشرق تضم شعوباً غير مسلمة.
فهذا استدلال بواقع عصرنا على واقع عصر الظهور، مع أن الروايات نفسها تنبه إلى إمكان تغير بعض هذه المعادلات.
بل ثمة نقل روائي متأخر يستحق الالتفات إليه في خصوص هذا المقام، وإن لم يكن صالحاً بنفسه للجزم بتعيين المراد من رواية «قوم المشرق».
فقد نقل صاحب إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب عن أربعين المير لوحي، عن فضل بن شاذان، عن أبي جعفر (عليه السلام)، أنه قال:
«كأني بقوم قد خرجوا من أقصى بلاد المشرق من بلدة يقال لها شيلا، يطلبون حقهم من أهل الصين فلا يعطون، ثم يطلبونه فلا يعطون، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فرضوا بإعطاء ما سألوه فلم يقبلوا، وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، ثم يسخرون بلاد الترك والهند كلها، ويتوجهون إلى خراسان ويطلبونها من أهلها فلا يعطون فيأخذونها قهراً، ويريدون أن لا يدفعوا الملك إلا إلى صاحبكم...».
إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب، ج2، ص133، نقلاً عن أربعين المير لوحي، عن فضل بن شاذان.
ولا نريد أن نحمل هذا الخبر ما لا يحتمله من جهة المصدر.
فهو لم يصل إلينا ـ بحسب ما وقفنا عليه ـ من كتاب متقدم موجود بأيدينا لفضل بن شاذان، وإنما نقله صاحب إلزام الناصب، وهو من المتأخرين، عن أربعين المير لوحي منسوباً فيه إلى فضل بن شاذان.
ومن ثم لا يصح أن نجعله دليلاً قطعياً على أن المراد من «قوم المشرق» في رواية النعماني هم هؤلاء القوم أنفسهم، فضلاً عن أن نجزم بتعيين مصداقهم الخارجي.
ولكن أهميته في محل كلامنا تكمن في جهة أخرى:
وهي أنه يكشف عن وجود نقل في التراث الروائي يرسم لحركة مشرقيّة تنتهي إلى صاحب الأمر (عليه السلام) مساراً جغرافياً مختلفاً تماماً عن التطبيق الشائع اليوم الذي يبدأ من إيران أو خراسان.
فالرواية لا تقول إن هؤلاء القوم يخرجون من خراسان، بل تقول:
«قد خرجوا من أقصى بلاد المشرق من بلدة يقال لها شيلا».
و«شيلا» ـ أو Silla ـ اسم معروف تاريخياً لمملكة كورية قديمة قامت في شبه الجزيرة الكورية، وكان الاسم معروفاً أيضاً في بعض الكتابات الجغرافية الشرقية والإسلامية المتعلقة بأقاليم أقصى المشرق.
وعلى هذا يكون منشأ الحركة ـ بحسب هذا النقل ـ من ناحية تقع في أقصى شرق آسيا، لا من فارس ولا من خراسان.
ثم تقول الرواية:
«يطلبون حقهم من أهل الصين».
وهو أيضاً مناسب لهذا المسار الجغرافي؛ إذ تقع شبه الجزيرة الكورية إلى الشرق من الصين ومتّصلة بها جغرافياً من جهة الشمال الغربي.
ثم تقول:
«ثم يسخرون بلاد الترك والهند كلها».
ولا ينبغي أن تحمل «بلاد الترك» هنا على الجمهورية التركية المعاصرة؛ فإن هذا من إسقاط الحدود السياسية الحديثة على المصطلحات الجغرافية القديمة.
فـ«بلاد الترك» في الاستعمالات الجغرافية القديمة عنوان واسع لمواطن الشعوب التركية في آسيا الداخلية وآسيا الوسطى وما وراء النهر وتركستان وما جاورها، بحسب اختلاف العصور والمصادر.
كما أن «الهند» في الاستعمال القديم لم تكن بالضرورة مطابقة لحدود جمهورية الهند الحالية، بل كان الاسم يستعمل في نطاق جغرافي أوسع لشبه القارة الهندية وما يتصل بها.
ثم تأتي العبارة الأهم في محل بحثنا:
«ويتوجهون إلى خراسان ويطلبونها من أهلها فلا يعطون فيأخذونها قهراً».
فـخراسان في هذا الخبر ليست موطن هؤلاء القوم، وإنما بلد يتوجهون إليه من خارجه.
وهذا مهم جداً؛ لأن خراسان التاريخية إقليم واسع كانت حدوده تتغير باختلاف العصور، ويشمل ـ بمقاييس الخريطة المعاصرة ـ أجزاء كبيرة من شمال شرقي إيران، وأفغانستان، وجنوب تركمانستان، مع امتدادات متفاوتة في آسيا الوسطى.
فإذا كان لهذا الخبر صلة برواية أبي جعفر (عليه السلام):
«كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق، يطلبون الحق فلا يعطونه...»
فهو يقدم احتمالاً مختلفاً جذرياً عن التطبيق الشائع: أن يكون هؤلاء القوم آتين من أقصى المشرق، ثم تتجه حركتهم غرباً حتى تبلغ خراسان، لا أنهم أهل خراسان أو إيران ابتداءً.
ويزداد احتمال وجود صلة بين الخبرين إذا لاحظنا التشابه اللافت بين بنيتهما.
ففي رواية النعماني:
«يطلبون الحق فلا يعطونه، ثم يطلبونه فلا يعطونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم... ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم».
وفي الخبر المنقول عن أربعين المير لوحي:
«يطلبون حقهم من أهل الصين فلا يعطون، ثم يطلبونه فلا يعطون، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم... ويريدون أن لا يدفعوا الملك إلا إلى صاحبكم».
فالبناء القصصي في الخبرين متقارب إلى حد لافت:
طلب الحق، ثم الامتناع عن إعطائه، ثم تكرار الطلب، ثم وضع السيوف على العواتق، ثم تغير موازين القوة، ثم انتهاء الحركة إلى صاحب الأمر (عليه السلام).
ولا يكفي هذا التشابه للجزم بأن الخبر الثاني تفسير للخبر الأول، أو أنهما في الأصل رواية واحدة وقع فيها اختصار أو تفصيل؛ فإن إثبات ذلك يحتاج إلى شاهد تاريخي ونصي لا نملكه.
ولكنه يكفي لإثارة احتمال معتد به بأن النقل الثاني يمثل تفصيلاً أو تطبيقاً تراثياً لما أجمل في خبر «قوم المشرق»، أو أنه ـ على أقل تقدير ـ يتحدث عن حركة مشرقيّة مشابهة تنتهي هي الأخرى إلى صاحب الأمر (عليه السلام).
وفي كلا الاحتمالين تبقى النتيجة التي نحتاجها في هذا الهامش قائمة:
ليس في لفظ «المشرق» نفسه ما يوجب حمله على إيران، بل لدينا في التراث المنقول تصور لحركة تبدأ من أقصى المشرق، وتجعل خراسان ـ بما يدخل فيها من أجزاء من إيران الحالية ـ مرحلة لاحقة في تقدمها، لا نقطة انطلاقها.
وهذا لا يثبت أن «قوم المشرق» هم أهل كوريا، كما لا يثبت أن خبر «شيلا» هو التفسير الصحيح لرواية النعماني؛ وإنما يهدم دعوى أضيق بكثير، وهي أن تطبيق «قوم المشرق» على إيران أو على الخراساني تطبيق متعين أو قطعي لا يحتمل غيره.
فالمنهج الأسلم هو الوقوف عند مقدار دلالة النص.
الرواية المعتبرة في مقام الاستدلال قالت:
«قوم قد خرجوا بالمشرق».
ولم تعين لنا بلداً بعينه.
وأما الخبر المتأخر المنقول عن أربعين المير لوحي فيقدم احتمالاً جغرافياً آخر يبدأ من «أقصى بلاد المشرق» ومن «شيلا»، ثم يمر بالصين وبلاد الترك والهند، حتى يصل إلى خراسان.
فلا هذا النقل المتأخر يخولنا الجزم بأن المراد كوريا، ولا رواية «قوم المشرق» تخولنا الجزم بأن المراد إيران.
وكل تعيين لأحد هذه المصاديق يحتاج إلى دليل زائد.
وهذا التفريق بين النص وتطبيق النص على الواقع مهم بوجه خاص في روايات العلامات؛ لأن التاريخ شهد مراراً إسقاط النصوص العامة على دول وحركات وأشخاص، ثم انقضت تلك الدول والحركات وبقي النص ينتظر مصداقه الحقيقي.
ومن ثم فإن تطبيق «قوم المشرق» على حركة سياسية معاصرة أو على شعب معين قد يكون احتمالاً تطبيقياً يتبناه صاحبه، ولكنه لا يجوز أن يتحول من غير دليل إلى جزء من مدلول الرواية نفسها، ثم تبنى عليه نتائج عقدية أو شرعية لا يدل عليها النص إلا بعد الفراغ عن صحة ذلك التطبيق.
