كان محور المنشور السابق مناقشة خطاب يعيد تعريف مفهوم «الحسينية»، ويجعل الموقف من الحرب والمواجهة مع الولايات المتحدة معيارًا للانتساب إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، حتى ينتهي إلى وصف بعض غير الإمامية بأنهم «أكثر حسينية» من بعض أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، لمجرد اختلافهم في تشخيص الموقف السياسي أو العسكري.
وفي سياق ذلك استشهدت بعبارة للسيد علي الخامنئي (ره)، بوصفها شاهدًا على هذا النمط من القراءة، ولم تكن العبارة محور البحث الأصلي، ولا كانت نتيجة المقال متوقفة عليها.
ومع ذلك، انصرفت أكثر الملاحظات إلى تفسير هذه العبارة، وقيل إنني لم أحملها على مراد قائلها. ومن باب توضيح الفكرة ودفع اللبس، رأيت أن أفرد هذا الاعتراض بمناقشة مستقلة، مع التأكيد أن أصل المقال السابق لا يتوقف عليه.
أي الاحتمالين هو المراد؟
لا تخلو عبارة السيد الخامنئي (ره) من احتمالين:
الأول: أن الإمام الحسن (عليه السلام) صالح معاوية لأن حقيقة الظروف وعواقب الصلح لم تنكشف له كما انكشفت للمتأخرين، ومن ثم فإن ما وقع منه لا ينبغي أن يتكرر.
وهذا لا يمكن ان يكون مقصوداً للسيد الخامنئي (ره) من عبارته هذه؛ لأنه لا ينسجم مع العقيدة الإمامية في عصمة الإمام وعلمه، وأن مواقفه كانت امتثالًا للتكليف الإلهي، لا اجتهادات سياسية يصححها من جاء بعده.
فلا يبقى إلا الاحتمال الثاني، وهو ما ذكره الإخوة المعترضون، وحاصله:
أن الإمام الحسن (عليه السلام) كان مصيبًا في صلحه، وكان الصلح تكليفه الإلهي في ظرفه، إلا أن ذلك الظرف نشأ من خذلان كثير من أصحابه، وتفكك معسكره، واختلال موازين القوى، حتى أصبح الصلح طريق حفظ المشروع الإلهي والبقية الباقية من أهل الحق.
أما الأمة المعاصرة، فإنها ـ بحسب هذا الفهم ـ بلغت من الوعي والطاعة والاستعداد للتضحية ما يمنع من وصول قائدها إلى ظرف مماثل، بل تثبت معه حتى النهاية كما ثبت أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام).
ونحن لم ننكر أن هذا الاحتمال هو المتعين حمل كلام السيد الخامنئي (ره) عليه، غايته أننا قلنا بأن ظاهر عبارته لا يساعد عليه تمامًا؛ لأنها أسندت النفي إلى «حادثة صلح الإمام الحسن» نفسها، لا إلى الظروف التي أدت إليه، إلا أن قصور التعبير لا يعني عدم جزمنا بمراد المتكلم ومقصوده.
هذه الفكرة ليست جديدة
سبق السيد روح الله الخميني (ره) إلى هذا المعنى أثناء الحرب العراقية الإيرانية، قبل ما يقرب من أربعة عشر عامًا من خطاب السيد الخامنئي.
ففي كلمة ألقاها في الثاني من شهر شهريور سنة 1365هـ ش، الموافق 24 آب/أغسطس 1986م، في لقاء مسؤولي النظام بمناسبة عيد الغدير، وكان الحديث يدور حول الدعوات إلى إنهاء الحرب، قرن بين تحكيم صفين وصلح الإمام الحسن (عليه السلام)، فقال:
«آن صلح تحمیلی که در عصر امام حسن واقع شد، آن حکمیت تحمیلی که در زمان امیرالمؤمنین واقع شد...».
أي:
«ذلك الصلح التحميلي الذي وقع في عصر الإمام الحسن، وذلك التحكيم التحميلي الذي وقع في زمن أمير المؤمنين...».
ثم قال:
«نه زیر بار صلح تحمیلی برویم و نه زیر بار حکمیت تحمیلی».
أي:
«لن نرضخ لصلح تحميلي، ولا لتحكيم تحميلي».
والمتعين في كلامه كما في كلام خلفه أن مراده: أن الظروف التي انتهت بالإمام الحسن إلى الصلح، وأمير المؤمنين إلى التحكيم، لن تتكرر مع الجمهورية الإسلامية؛ لما تتمتع به الأمة من وعي وثبات وطاعة واستعداد للتضحية.
فإذا كان هذا هو مراد السيدين، فإن السؤال لا ينتهي هنا بل يبدأ هنا، وهو:
من أين جاء هذا الجزم؟
لا إشكال في أن يثق القائد بجمهوره، أو يطمئن إلى إخلاص أتباعه، أو يرى أن أمته مستعدة للتضحية، وأن قادتها العسكريين والسياسيين على قدر المسؤولية.
كما لا إشكال في أن يقرأ الوقائع العسكرية والسياسية والاقتصادية، فيترجح عنده أن مواصلة الحرب هي الخيار الصحيح.
لكن التحليل السياسي يبقى تقديريًا واحتماليًا، وتتوقف درجة صوابه على ما وصل إلى المحلل من معلومات، وعلى صحة تلك المعلومات ودقتها وشمولها.
فالحدث السياسي لا يتكون عادة من سبب واحد ظاهر، بل من أسباب ومعطيات متشابكة:
منها ما يظهر، ومنها ما يخفى.
ومنها ما يعلن، ومنها ما يدور في الغرف المغلقة.
ومنها ما يتعلق بميدان القتال، ومنها ما يرتبط بالاقتصاد والتحالفات الدولية وحالة المجتمع وقدرة النظام على الاستمرار.
والمحلل البشري إنما يقرأ ما وصل إليه، لا ما حُجب عنه، وقد تكون المعلومة الغائبة هي التي يتغير بها تقدير المشهد كله.
فالناظر إلى مبنى من جهة واحدة يرى واجهته، لكنه لا يرى سائر جوانبه، ولا ما خلفه، ولا ما يجري في داخله. وليس من المنهج أن يحول ما رآه من الواجهة إلى علم كامل بحقيقة المبنى.
وهنا يظهر الفارق بين القراءة البشرية التقديرية وقراءة الإمام المعصوم بحسب المبنى الإمامي.
فالإمام المعصوم لا يشخص تكليفه اعتمادًا على معلومات ناقصة بلغته وغابت عنه سواها، وإنما يكون تشخيصه قائمًا على ما أطلعه الله عليه مما يحتاج إليه في مقام الإمامة والهداية.
أما غير المعصوم، فمهما بلغ علمه وخبرته وإحاطته بأجهزة الدولة، يبقى تقديره قائمًا على معلومات بشرية محدودة، تقبل النقص والخطأ والتغير.
ومن هنا لا يصح أن توضع قراءة المعصوم إلى جانب قراءة القائد السياسي، ثم يقال إن المتأخر لن يصل إلى ما وصل إليه الإمام؛ لأن ظروفه أو جماهيره أفضل.
إن أقصى ما تمنحه قراءة الواقع والثقة بالجماهير والاطمئنان إلى القادة هو الرجحان والاطمئنان النسبي في ظرف محدد.
أما الجزم بأن الوقائع لن تنتهي إلى «تحكيم علوي» ولا إلى «صلح حسني»، فهو إخبار عن مستقبل لا تملكه هذه المعطيات المتغيرة.
لم تمهل التجربة طويلًا حتى أجابت عن هذا السؤال
بعد أقل من سنتين، وجد السيد الخميني نفسه أمام واقع مختلف.
ففي التاسع والعشرين من شهر تير سنة 1367هـ ش، الموافق 20 تموز/يوليو 1988م، أعلن موافقته على قرار مجلس الأمن رقم 598 ووقف الحرب العراقية الإيرانية، وكتب في رسالته إلى الشعب الإيراني:
«من تا چند روز قبل معتقد به همان شیوه دفاع و مواضع اعلام شده در جنگ بودم و مصلحت نظام و کشور و انقلاب را در اجرای آن میدیدم؛ ولی به واسطه حوادث و عواملی که از ذکر آن فعلاً خودداری میکنم... و با توجه به نظر تمامی کارشناسان سیاسی و نظامی سطح بالای کشور... با قبول قطعنامه و آتشبس موافقت نمودم».
أي:
«كنت إلى أيام قليلة مضت معتقدًا بالأسلوب الدفاعي نفسه، وبالمواقف المعلنة في الحرب، وكنت أرى مصلحة النظام والبلاد والثورة في الاستمرار عليه، ولكن بسبب حوادث وعوامل أمتنع الآن عن ذكرها... وبالنظر إلى رأي جميع الخبراء السياسيين والعسكريين رفيعي المستوى في البلاد... وافقت على قبول القرار ووقف إطلاق النار».
ثم قال:
«قبول این مسئله برای من از زهر کشندهتر است».
أي:
«إن قبول هذا الأمر أشد علي من السم القاتل».
وفي الرسالة نفسها قال:
«و بدا به حال من که هنوز ماندهام و جام زهرآلود قبول قطعنامه را سر کشیدهام».
أي:
«ويا لسوء حالي إذ بقيت حتى الآن، وتجرعت كأس السم المسموم بقبول القرار».
فهذه النصوص تضعنا أمام سؤال مباشر:
كيف نجمع بينها وبين جزمه قبل أقل من سنتين بأن الجمهورية الإسلامية لن تصل إلى «تحكيم علوي» ولا إلى «صلح حسني»؟
لا يخرج الجواب عن احتمالين:
الأول: أن يكون بعض المحيطين به قد حملوه على قبول وقف الحرب خلافًا لما كان يراه، فيكون ما وقع أقرب ـ بحسب اصطلاحه السابق ـ إلى «التحكيم العلوي».
ونحن نستبعد ذلك؛ لأن رسالته تدل على أنه اقتنع بالتقارير والمعطيات الجديدة، لا أنه أُكره على ما كان يعتقد بطلانه.
ويؤيده ما ذكره السيد هاشمي رفسنجاني، حيث نفى انفراده بإقناع السيد الخميني، وقال:
«اینکه الان شایع است، فقط من امام را قانع کردم، درست نیست. این مطالب در جلسه سران مطرح میشد که حاج احمد آقا هم بود. در آن جلسه ما به این نتیجه رسیدیم که باید آتشبس را بپذیریم و به صورت دستهجمعی پیش امام رفتیم. خدمت امام که رسیدیم موضوع پذیرش آتشبس را مطرح کردیم. امام هم قبلاً نامه آقای محسن رضایی و نامه دولت را دیده بودند. ایشان هم آمادگی داشتند؛ لذا پیشنهاد ما را تأیید کردند».
أي:
«ما شاع الآن من أنني وحدي أقنعت السيد الخميني غير صحيح. كانت هذه المسائل تطرح في اجتماع قادة النظام، وكان السيد أحمد الخميني حاضرًا أيضًا. وقد انتهينا في ذلك الاجتماع إلى ضرورة قبول وقف إطلاق النار، وذهبنا جماعة إلى السيد الخميني، وطرحنا عليه موضوع قبوله. وكان قد اطلع قبل ذلك على رسالة السيد محسن رضائي ورسالة الحكومة، وكانت لديه أرضية للقبول، ولذلك أقر اقتراحنا».
وهذا يثبت أن كبار المسؤولين انتهوا إلى ضرورة وقف الحرب، ثم عرضوا ما لديهم من تقارير ومعطيات على السيد الخميني، فوافقهم.
وعليه، فالأقرب هو الاحتمال الثاني:
أنه لم يصل إلى «تحكيم علوي»، وإنما انتهى إلى ما يشبه «الصلح الحسني».
فهو لم يفقد ثقته بجماهيره، ولم يتهمها بالتخاذل، وإنما رأى أن الموضوع الخارجي تبدل، وأن استمرار الحرب لم يعد يحقق غرضها، وأن حفظ أصل النظام والجماعة يقتضي وقفها.
وهذا هو ما نقوله في تفسير صلح الإمام الحسن (عليه السلام): لم يصالح لأن أصحابه أجبروه على مخالفة تكليفه، بل لأن الظروف جعلت الصلح هو التكليف، وحفظ البقية الباقية من أهل الحق أولى من حرب لا تحقق غرضها.
وعلى كلا التقديرين، انتهى السيد الخميني إلى ما يشبه «التحكيم العلوي» أو «الصلح الحسني»؛ مع أنه جزم قبل أقل من سنتين بأن الجمهورية الإسلامية لن تصل إلى أي منهما.
ولا نعترض بذلك على قبوله وقف الحرب؛ فلعل قبوله كان عين ما اقتضته المصلحة الشرعية، كما كان صلح الإمام الحسن (عليه السلام) عين ما اقتضاه التكليف في ظرفه.
إنما الذي كشفت الوقائع عن عدم تماميته هو الجزم السابق باستحالة الوصول إليه.
بقيت الثقة بالجماهير والقادة، وبقي الإيمان بعدالة القضية، لكن الموضوع تبدل، وتبدل معه تشخيص الوظيفة.
لماذا يعاد الجزم نفسه؟
إذا كانت تجربة السيد الخميني قد أثبتت أن قراءة الواقع والثقة بالجماهير والاطمئنان إلى القادة لا تمنح الإنسان قدرة على الجزم بما ستؤول إليه الظروف، فما الذي يبرر إعادة الجزم نفسه في كلام السيد الخامنئي؟
ليس الإشكال أن يقال:
إن معطياتنا الحالية ترجح استمرار المواجهة.
أو:
إن جماهيرنا مستعدة للتضحية.
أو:
إننا لا نرى في الظروف الراهنة موجبًا للصلح.
فهذه تقديرات تتحدث عن الحاضر في حدود المعلومات المتاحة.
إنما الإشكال في القفز من تقدير الحاضر إلى القطع بالمستقبل، والقول إن أمريكا ومن هو أكبر منها لن يستطيعوا فرض حادثة كصلح الإمام الحسن، وإن زيادة الضغط لن تنتج إلا كربلاء.
فالضغط قد ينتهي إلى كربلاء، أو صلح، أو تفاوض، أو تغير في الموضوع لم يكن منظورًا من قبل، ولا يملك غير المعصوم أن يجزم مسبقًا بأي هذه النتائج ستنتهي إليها الوقائع.
وقد دخلت الجمهورية الإسلامية نفسها في مراحل مختلفة في مفاوضات مع الولايات المتحدة، وقد تدخل في مفاوضات أخرى، وتتوصّل إلى اتفاق إذا رأت فيه مصلحة أو دفعًا لمفسدة.
فهل يقال حينئذ إنها خرجت عن نهج الحسين؟
أم يقال إن الموضوع تبدل، وإن الاتفاق صار هو المصلحة في ظرفه؟
إذا صح التفسير الثاني عندنا، فلماذا لا يصح عند غيرنا؟
وإذا كان التفاوض أو وقف الحرب لا يسلب القيادة الإيرانية حسينيّتها، فلماذا يصبح تجنب الحرب عند الآخرين خوفًا من أمريكا وخروجًا عن الحسينية؟
شاهد من الذاكرة القريبة
لعل تجربة الحرب العراقية الإيرانية بعيدة نسبيًا عن الذاكرة، لكن الذاكرة القريبة تحتفظ بنموذج آخر للمشكلة نفسها.
فقد سمعت بنفسي، وسمع كثيرون غيري، السيد الصفي في مقابلة على قناة المنار مع الإعلامي عماد مرمل، حين سأله: هل تعتقد أن فلسطين أو القدس ستتحرر في حياة السيد؟
فأجاب:
«قطعًا».
ولما أبدى عماد مرمل استغرابه وتعجبه من هذا القطع، قائلاً: (أف)، أجابه السيد الصفي بقوله:
«شو أف؟ أنا أجزم بذلك».
ولم يطل الزمن حتى استشهد السيد، ثم السيد الصفي، مع عدد كبير من القيادات العسكرية والتنظيمية، من غير أن تتحرر القدس أو فلسطين.
ولا اذكر ذلك شماتة بأحد أو تقليلًا من شأن الدماء والتضحيات، بل تنبيهًا إلى خطورة أن تتحول الثقة السياسية إلى تحتيم على الله سبحانه، وأن يقدم التوقع البشري كأنه خبر لا يتخلف.
فقد يكون الإنسان صادق النية، مؤمنًا بقضيته، مطمئنًا إلى رجاله وإمكاناته، ثم تجري الوقائع على غير ما قطع به.
ولا إشكال في الإيمان بوعد الله بزوال الظلم، ولا في الثقة بأن الاحتلال لا يدوم.
لكن ذلك غير الجزم بأن التحرير سيقع في حياة شخص معين أو خلال مرحلة سياسية بعينها.
فالوعد الإلهي شيء، وتحديد زمان تحققه وأشخاصه وطرقه شيء آخر.
والمشكلة ليست في خطأ التوقع؛ فالإنسان غير معصوم، وإنما في صياغته بصيغة الجزم، وبناء مفاهيم دينية عليه، واتهام من لا يشارك هذا اليقين بالجبن أو ضعف الإيمان أو الخروج عن الحسينية.
لقد انتقل الواقع خلال مدة قصيرة من الجزم بقرب تحرير القدس إلى البحث عن حفظ ما بقي، وتقليل الخسائر، وإعادة بناء الجماعة بعد الضربة التي أصابت قياداتها وبيئتها.
وهذا لا يثبت بطلان القضية ولا خطأ كل مقاومة، وإنما يثبت أن الإنسان يقرأ صفحة محدودة من الواقع، وقد تكشف الأيام صفحات لم تكن في حسابه.
فالإيمان بعدالة القضية لا يساوي العلم بمآلاتها الزمنية.
والثقة بالقيادة لا تساوي العصمة.
والاستعداد للتضحية لا يضمن النصر في كل مواجهة.
ووعد الله بالنصر لا يمنح أحدًا حق تحديد زمانه وشكله وأشخاصه من عند نفسه.
الخلاصة
لم يكن صلح الإمام الحسن (عليه السلام) صفحة مؤسفة صنعها الخائنون، وكان ينبغي لمن جاء بعده أن يضمن عدم تكرارها.
ولم يكن تحكيم صفين واقعة يجوز تحويلها إلى شعار سياسي مبسط.
فالأئمة (عليهم السلام) لم يكونوا محللين سياسيين اجتهدوا على أساس معلومات ناقصة، فأدرك المتأخرون ما غاب عنهم، بل كان كل واحد منهم يتحرك وفق تكليفه الإلهي: يحارب حين تكون الحرب تكليفه، ويصالح حين يكون الصلح تكليفه، ويصبر ويكف يده حين يكون ذلك هو المطلوب منه.
أما غير المعصوم، فغاية ما يملكه قراءة بشرية محدودة للواقع، تصيب وتخطئ، وتكتمل وتنقص، وقد تتغير خلال أيام.
ومن هنا لا يكون السؤال الصحيح:
هل نكرر «التحكيم العلوي» أو «الصلح الحسني»، أم نختار كربلاء؟
وإنما السؤال:
ما هو التكليف في هذا الظرف، على ضوء ما نملكه الآن من معلومات؟
مع الاعتراف بأن ما خفي عنا قد يكون أكثر مما ظهر لنا، وأن تبدل الموضوع قد يبدل الوظيفة، وأن ما نراه اليوم حربًا واجبة قد يصبح غدًا صلحًا أو تفاوضًا لازمًا.
فالفضيلة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ليست في الحرب لذاتها، ولا في الصلح لذاته، وإنما في طاعة الله والتسليم لحجته:
حارب أم صالح، قام أم قعد.
وأخيرًا، فإن هذا التعقيب كله تعلق بعبارة جانبية وردت في المنشور السابق، ولم تكن أصل الموضوع الذي كُتب المنشور من أجله.
أما الفكرة الجوهرية لذلك المقال ـ وهي مناقشة المعمم الذي أعاد تعريف الحسينية، فجعل الموقف من أمريكا والحرب معيارًا لها، وعدّ يحيى السنوار حسينيًا، وسلب هذا الانتساب عمن يخالفه في تشخيص الموقف السياسي والعسكري ـ فلم يتعرض لها أحد من المعترضين بنقض أو مناقشة.
وقد انتقلت الاعتراضات كلها تقريبًا إلى شاهد جانبي، وبقي أصل الدعوى وما بُني عليها من نتائج بلا جواب.
ولا نقول إن مجرد السكوت يكشف بالضرورة عن القبول النفسي بكل ما ورد في المقال؛ إلا أن ترك أصل الفكرة بلا مناقشة، والانصراف إلى عبارة لا يتوقف عليها الدليل، يبقيها قائمة بلا نقض، ويمكن عدّه ـ في مقام الحوار والاحتجاج ـ قبولًا ضمنيًا بعدم وجود جواب حاضر عنها.
--------------------
الهوامش
(1) كلمة السيد روح الله الخميني في لقاء مسؤولي النظام بمناسبة عيد الغدير، بتاريخ 2 شهريور 1365هـ ش، الموافق 24 آب/أغسطس 1986م، في سياق الحديث عن الحرب العراقية الإيرانية والدعوات إلى وقفها، ونُشرت ضمن «صحيفة الإمام». وقد قرن فيها بين «الصلح التحميلي» في عصر الإمام الحسن و«التحكيم التحميلي» في عصر أمير المؤمنين.
(2) رسالة السيد الخميني إلى الشعب الإيراني بتاريخ 29 تير 1367هـ ش، الموافق 20 تموز/يوليو 1988م، بمناسبة ذكرى أحداث مكة وإعلان قبول قرار مجلس الأمن رقم 598 ووقف إطلاق النار. جاء فيها أنه كان إلى أيام قليلة يرى استمرار النهج العسكري هو المصلحة، ثم وافق على القرار استنادًا إلى الحوادث الجديدة وآراء كبار الخبراء السياسيين والعسكريين، وعبّر عن ذلك بتجرع كأس السم.
(3) نقل معهد تنظيم ونشر آثار السيد الخميني رواية السيد هاشمي رفسنجاني لكيفية اتخاذ قرار وقف إطلاق النار، وفيها نفي انفراده بإقناع السيد الخميني، وبيان أن قادة النظام توصلوا جماعيًا إلى ضرورة القبول، ثم عرضوا الأمر عليه بعد اطلاعه على رسالتي القيادة العسكرية والحكومة.
(4) وردت عبارة السيد علي الخامنئي في كلمة منشورة رسميًا سنة 2000م:
««امروز آمریکا و بالاتر از آمریکا هم نمیتوانند حادثهای مثل حادثه صلح امام حسن را بر دنیای اسلام تحمیل کنند؛ اینجا اگر دشمن زیاد فشار بیاورد، حادثه کربلا اتفاق خواهد افتاد».»
أي:
«اليوم لا أمريكا ولا من هو أكبر من أمريكا يستطيعون أن يفرضوا على العالم الإسلامي حادثة كحادثة صلح الإمام الحسن؛ وإذا أكثر العدو من الضغط هنا، فستقع حادثة كربلاء».
