من أكثر الشعارات التي تتردد في الخطاب الديني والسياسي المعاصر قول بعضهم:

«لا يمكن أن يكون الإنسان حسينياً ويقبل بالذل».

وهي عبارة تبدو للوهلة الأولى منسجمة مع وجدان كل محب للإمام الحسين (عليه السلام)، حتى يكاد الإنسان يسلّم بها من غير تأمل.

غير أن التدقيق يكشف أنها تخفي وراءها مغالطة دقيقة، نشأت من استعمال كلمة «الذل» بمعنى، ثم الانتقال منها ـ من غير بيان ـ إلى معنى آخر مختلف تماماً.

ولذلك فإن أول سؤال ينبغي أن يطرح قبل كل شيء هو:

أي ذل تقصد؟

هل تقصد الذل الذي يراه الناس ذلاً بحسب موازين القوة والضعف والانتصار والهزيمة؟

أم تقصد الذل الذي يراه الله عز وجل ذلاً، والذي ذمّه القرآن، ونهت عنه روايات أهل البيت (عليهم السلام)، ولم ترتضه للمؤمن؟

إن الجواب عن هذا السؤال هو الذي يحدد فهمنا لسيرة أمير المؤمنين، والحسن، والحسين، وسائر الأئمة (عليهم السلام)، ويعرّفنا معنى الذل الذي ينبغي للمؤمن ألا يرضى به بحال من الأحوال.

الذل والعز في اللغة

تستعمل العرب الذل في معنى الانقياد والانخفاض وزوال المنعة، ومنه الدابة الذلول؛ لأنها منقادة مطاوعة بعد أن كانت تمتنع. ويقابله العز، وهو المنعة والصلابة والغلبة والارتفاع.

فالمعنى اللغوي واضح، ولا خلاف فيه.

ولكن يبقى السؤال:

بأي ميزان نحكم على شخص بأنه عزيز أو ذليل؟ وما هو المعيار الصحيح للعزة والذلة؟

فالناس يرون العزة في السلطان، وكثرة الأنصار، والانتصار العسكري، والقدرة على البطش، ويرون الذل في الهزيمة، وفقدان السلطة، والصبر على الظلم، واحتمال الأذى.

أما القرآن الكريم فيقول:

﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.

ويقول:

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾.

فالعزة الحقيقية في المفهوم القرآني لا تُعرف بما يراه الناس عزاً، وإنما معيارها طاعة الله وامتثال أمره، وإن كان ذلك ـ بحسب المقاييس البشرية ـ موجباً للمذلة والمهانة والانكسار.

كما أن الذلة في المفهوم القرآني إنما تكون في معصية الله ومخالفة أمره، وإن كان ذلك موجباً للعزة والغلبة بحسب المعيار البشري.

ولهذا ورد عنهم (عليهم السلام):

«من أراد عزاً بلا عشيرة، وغنى بلا مال، وهيبة بلا سلطان، فلينتقل من ذل معصية الله إلى عز طاعته».

فالإمام (عليه السلام) لم يقل: فلينتقل من الهزيمة إلى النصر، ولا من الضعف إلى القوة، ولا من الاحتلال إلى الاستقلال، بل قال: من ذل معصية الله إلى عز طاعته.

فالمعيار كله يدور مدار الطاعة والمعصية، لا مدار الغلبة والانكسار.

هنا تبدأ المغالطة

عندما يقول بعضهم:

«الحسيني لا يقبل بالذل».

فإننا نسأله:

أي ذل تعني؟

إن كنت تقصد ذل المعصية، فهذا حق لا نزاع فيه.

أما إن كنت تقصد كل ما يراه الناس ذلاً، فهذه دعوى يكذبها تاريخ أهل البيت (عليهم السلام) كله.

بل يكذبها أولهم وآخرهم.

وأول من ينقض هذه الدعوى هو أمير المؤمنين (عليه السلام).

فقد أخبره رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ كما في رواية الكافي ـ بما سيجري عليه بعده، وأن حقه سيغصب، وأن حرمته ستنتهك، وأنه سيؤمر بالصبر. وفي بعض ألفاظ الرواية أن جبرئيل أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) بما سيقع على فاطمة (عليها السلام) من الاعتداء، حتى تكون أول أهل بيته لحوقاً به، فلما سمع أمير المؤمنين (عليه السلام) ذلك سقط مغشياً عليه من شدة هول ما علم أنه سيجري على بضعة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ومع ذلك كله قبل هذا التكليف، ورضي به، والتزم بالصبر والاحتساب امتثالاً لأمر الله سبحانه.

فلو كان معيار العزة هو ألا يرى الإنسان زوجته تُظلم، وألا يُغصب حقه، وألا يُعتدى على حرمته، وألا يضطر إلى الصبر على ذلك، لكان أولى الناس برفض هذا التكليف هو أمير المؤمنين (عليه السلام).

ثم وقعت الحوادث كما أخبره رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فأُخرج من داره ملبباً، وأُخذ بتلابيبه، وسيق سوقاً عنيفاً إلى البيعة، ووصف غير واحد من المؤرخين أنه قيد كما يقاد البعير المخشوش، وذكرت طائفة من المصادر أن في عنقه حبلاً، أو جعلت حمائل سيفه في عنقه، حتى صار يقاد إلى المسجد، وكلما مر على قوم قيل له:

«انطلق فبايع».

ولو عرضت هذه الصورة على كثير من الناس اليوم، لما ترددوا في وصفها بأنها غاية الذل والهوان.

حتى إن معاوية نفسه اتخذها وسيلة لتعيير أمير المؤمنين (عليه السلام)، فكتب إليه يذكّره بأنه كان يقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى يبايع.

لكن جواب أمير المؤمنين (عليه السلام) كشف عن الفرق بين الميزانين، فقال:

«لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة أن يكون مظلوماً، ما لم يكن شاكاً في دينه، ولا مرتاباً بيقينه».

فالقضية عند أمير المؤمنين (عليه السلام) لم تكن أنه لم يُظلم، ولا أنه لم يُقهَر، ولا أنه لم يُسق إلى البيعة قهراً.

فالظلم شيء، والذل شيء آخر.

فقد يُظلم الإنسان، ويُغلب، ويُغصب حقه، ويؤخذ من داره قهراً، ويُجبر على تحمل ما تنكسر له نفوس الرجال، ومع ذلك يكون عند الله في قمة العزة؛ لأنه ثبت على أمر الله ولم يتجاوز حدود تكليفه.

والعكس أيضاً صحيح؛ فقد يملك الإنسان السلطان والجيوش، ويقهر خصومه، ويحسبه الناس عزيزاً، وهو عند الله في غاية الذل؛ لأنه بنى تلك العزة الظاهرية على معصية الله ومخالفة أمره.

فالعزة ليست أن تنتصر دائماً، ولا أن تمتنع دائماً، ولا أن تدفع كل ظلم يقع عليك، وإنما العزة أن تطيع الله، وإن كان ثمن تلك الطاعة ـ في نظر الناس ـ الظلم، والأذى، والهوان، والانكسار.

والذلة ليست أن تُظلم، وإنما أن تعصي الله لتتخلص من الظلم.

الإمام الحسن (عليه السلام)... حين اتُّهم بإذلال المؤمنين

وتتجلى هذه المغالطة بصورة أوضح في موقف الإمام الحسن (عليه السلام) من معاوية.

فقد تولى الإمام الحسن (عليه السلام) الأمر بعد استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام)، واجتمع حوله جيش كبير، وكانت مقدمة جيشه تضم اثني عشر ألف مقاتل، وصفهم أحد رجالها بأنهم كانوا مستميتين في قتال أهل الشام، تبرق سيوفهم من الحدة والاستعداد للحرب.

ولكن الإمام كان ينظر إلى حقيقة الجيش، لا إلى عدده الظاهر، ويعلم ما أصابه من التخاذل والتفرق، وما وقع فيه من الاختراق والخيانة.

وحين رأى أن الاستمرار في الحرب لن يحفظ حقاً، ولن يقيم عدلاً، وإنما سيؤدي إلى إراقة دماء المؤمنين، وتمكين معاوية من استئصال البقية الباقية من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، أقدم على الصلح امتثالاً لما يراه تكليفه أمام الله.

غير أن بعض أصحابه لم ينظر إلى الأمر بميزان التكليف، وإنما نظر إليه بميزان الغلبة والهزيمة.

فرأى في بقاء معاوية، وانسحاب الإمام من المواجهة، ذلاً، ولم ير ما وراء ذلك من حفظ الدين وحقن دماء المؤمنين.

حتى دخل عليه أحدهم فقال:

«السلام عليك يا مذل المؤمنين».

فأجابه الإمام الحسن (عليه السلام):

«لا تقل ذاك يا أبا عامر، لست بمذل المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلهم على الملك».

وهذه الكلمة تختصر المغالطة التي نناقشها كلها.

فذلك الرجل لم يكن عدواً لأهل البيت، ولم يكن موالياً لمعاوية، بل كان من المقاتلين في مقدمة جيش الإمام، ممن استعدوا للموت في مواجهة أهل الشام.

ومع ذلك أخطأ في فهم العزة والذلة.

لقد تصور أن العزة لا تكون إلا باستمرار الحرب، وأن التراجع عنها ذل، ولو كانت نتيجتها قتل المؤمنين من غير أن يتحقق الغرض الذي شرعت من أجله.

أما الإمام الحسن (عليه السلام)، فلم ينكر أن الصلح سيظهر في أعين الناس بصورة الانكسار، ولا أنه سيمنح معاوية سلطة ظاهرة، ولا أنه سيعرضه لتهمة الجبن وإذلال المؤمنين.

لكنه رفض أن يكون هذا هو معيار الحكم على فعله.

فالمعيار عنده لم يكن: من بقي على كرسي الملك، ومن نزل عنه؟

ولا: من ظهر أمام الناس غالباً، ومن ظهر مغلوباً؟

وإنما كان السؤال:

هل يجوز أن أحارب في طلب ملك لا يمكن تحصيله في هذه الظروف إلا باستئصال المؤمنين؟

ولهذا لم يقل الإمام: لم أترك القتال، أو لم أسلّم الأمر، أو لم يغلبني معاوية في الظاهر.

بل قال:

«كرهت أن أقتلهم على الملك».

فقد قبل أن يقال له: «يا مذل المؤمنين»، ولم يقبل أن يقتل المؤمنين حفاظاً على صورته في أعين الناس.

وقبل أن يتهم بالضعف، ولم يقبل أن يعصي الله ليثبت للناس قوته.

وقبل أن يخسر الملك، ولم يقبل أن يجعل دماء شيعته ثمناً لاستبقائه.

وهذا هو الفرق بين من يطلب العزة عند الله، ومن يطلبها في أنظار الجمهور.

فقد يكون أسهل على القائد أن يدخل حرباً يعلم أنها لن تحقق أهدافها، وأن يدفع أتباعه إلى الموت، ثم يحتفظ لنفسه بصورة البطل الذي لم يتراجع ولم يساوم، من أن يتحمل وحده تهمة الجبن، والخذلان، وإذلال المؤمنين.

لكن الإمام الحسن (عليه السلام) لم يكن معنياً بحماية صورته في أذهان الناس، بل كان معنياً بحفظ ما أمره الله بحفظه.

فقدّم دينه على سمعته، ودماء المؤمنين على مكانته السياسية، ورضا الله على رضا جمهوره.

ولهذا لم يكن الصلح ذلاً في ميزان الله، وإن رآه بعض الناس ذلاً؛ بل كان عين العزة، لأن الإمام أطاع الله فيه، وتحمل ما ترتب عليه من إساءة الفهم، والتهمة، واللوم.

ولو كان كل تراجع عن الحرب ذلاً، وكل قبول بسلطة الخصم استعباداً، وكل هدنة مع الظالم خروجاً عن الحسينية، لكان أول من تنطبق عليه هذه الأوصاف الإمام الحسن (عليه السلام).

بل إن هذه المغالطة لا تقف عند الإمام الحسن؛ لأنها تصيب الإمام الحسين (عليه السلام) أيضاً.

فالحسين (عليه السلام) لم يكن معترضاً على أصل الصلح الذي عقده أخوه، ولم ينقلب عليه بعد إبرامه، بل التزم به في حياة الإمام الحسن، ثم بقي بعد استشهاده ملتزماً بالعهد مع معاوية، رافضاً دعوات الذين طلبوا منه الخروج ما دام معاوية حياً.

وقد أجاب من دعاه إلى ذلك بأن بينه وبين معاوية عهداً وعقداً لا يجوز له نقضه حتى تنقضي مدته، فإن مات معاوية نظر في الأمر.

وكان ذلك مع علمه بما يفعله معاوية من نقض شروط الصلح، وملاحقة شيعة أمير المؤمنين، وقتل رجالهم، وتشريدهم، ومحو آثارهم، واستعمال الدولة وسلطانها في تثبيت الحكم الأموي.

ومع ذلك لم يقل الإمام الحسين (عليه السلام):

أنا الحسين، لا أقبل الذل، ولا يمكن أن أبقى ساكتاً تحت سلطان معاوية.

ولم يجعل مجرد ظلم معاوية واستيلائه على الحكم دليلاً كافياً على وجوب الخروج عليه في كل ظرف.

بل بقي ملتزماً بتكليفه؛ لأن العزة عنده لم تكن في أن يحمل السيف دائماً، وإنما في أن يطيع الله دائماً.

فإن اقتضت الطاعة الصلح، كان الصلح عزة.

وإن اقتضت الوفاء بالعهد، كان الوفاء عزة.

وإن اقتضت الصبر على سلطان ظالم، كان الصبر عزة.

وإن اقتضت رفض مبايعة الظالم، والتضحية بالنفس، والأهل، والأصحاب، وتعريض العيال للأسر والسبي في سبيل الله، كان ذلك عين العزة.

فالعبرة ليست بصورة الفعل في أعين الناس، وإنما بموافقته لأمر الله في ظرفه.

ومن هنا يظهر أن محاولة اختزال الحسينية في موقف واحد لا تنسجم حتى مع سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) نفسه؛ لأن الحسين الذي رفض بيعة يزيد، وتحمل ما تحمل في هذا السبيل، هو نفسه الحسين الذي التزم صلح أخيه مع معاوية، وصبر على سلطانه، ولم ينقض العهد معه.

ولم يكن في الموقفين متناقضاً؛ لأن تكليفه في كل واحد منهما كان مختلفاً.

أما من يجعل العزة مرادفة للقتال دائماً، والذلة مرادفة لتركه دائماً، فإنه لا يستطيع أن يفسر اختلاف الموقفين إلا أن يجعل أحدهما خطأً، مع أن كليهما صدر عن إمام معصوم، وكلاهما كان عين الطاعة لله في ظرفه الخاص.

أما إذا جعل معيار العزة هو موافقة التكليف الإلهي، زال الإشكال كله، واجتمع صلح الحسن وثورة الحسين في أصل واحد، هو العبودية لله سبحانه.

غير أن الأمر لا يقف عند التزام الإمام الحسين (عليه السلام) بصلح أخيه، ولا عند بقائه سنوات طويلة تحت سلطان معاوية من غير أن يخرج عليه، بل إن بعض ما روي عنه يكشف بوضوح أنه كان يفرق بين وقوع الظلم على الإنسان وبين الذلة التي لا يجوز له قبولها.

فقد روي عنه (عليه السلام) أنه قال لأبي هرّة الأزدي:

«يا أبا هرّة، إن بني أمية أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت...».

وهذه الكلمات ـ على وجازتها ـ جديرة بالتأمل.

فقد أخذ بنو أمية ماله، فصبر.

وشتموا عرضه، فصبر.

ولما طلبوا دمه، لم يبق في مكانه ليقول: لا أفر من الموت، ولا أقبل أن يقال إنني خفت على نفسي، بل خرج حفاظاً عليها حين كان حفظها هو ما يقتضيه تكليفه.

فهل كان الإمام الحسين (عليه السلام)، في هذه المواقف خاىفاً أو راضياً بالذل؟

وهل كان صبره على أخذ ماله، وشتم عرضه، وخروجه هرباً من الذين طلبوا دمه، مناقضاً للحسينية؟

إن من يجعل كل صبر على الظلم ذلاً، وكل ترك للمواجهة خضوعاً، وكل انسحاب من أمام الخطر جبناً، لا بد أن تنتهي به مقاييسه إلى الاعتراض على هذه المواقف نفسها.

لكن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن يرى عزة الإنسان في أن يرد كل اعتداء يقع عليه، ولا في أن يخوض كل مواجهة يدعى إليها، ولا في أن يعرض نفسه للقتل في كل وقت.

وإنما كان يرى العزة في أن يفعل ما يأمره الله به؛ فيصبر حين يكون الصبر تكليفه، ويهاجر حين تكون الهجرة تكليفه، ويحفظ نفسه حين يكون حفظها واجباً عليه، ويبذلها حين يأتي الوقت الذي يجب عليه فيه بذلها.

وهنا يظهر الفرق بين الحسين (عليه السلام) كما تنطق به سيرته، والحسين الذي تصنعه بعض الشعارات.

فالحسين (عليه السلام) كما تنطق به سيرته عبد لله، تتغير مواقفه بتغير تكليفه.

أما الحسين الذي تصنعه بعض الشعارات، فهو صورة جامدة لا تعرف إلا الحرب، ولا تفهم العزة إلا في حمل السلاح، ولا ترى في الصبر، والهدنة، والهجرة، وحفظ النفس، إلا ذلاً وخضوعاً.

ولذلك فإن من يختزل الحسينية في عدم القبول بأي صورة من صور القهر، لا يعود تابعاً لموقف الحسين، بل يجعل نفسه ـ من حيث لا يشعر ـ حسينياً أكثر من الحسين؛ لأنه يضع للحسينية معياراً لم يلتزمه الإمام الحسين نفسه في جميع مراحل حياته.

أي ذلة رفضها الحسين؟

وقد يقال: كيف يصح هذا الكلام، وقد قال الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء:

«ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة».

والجواب أن هذه الكلمة لا تنقض ما تقدم، بل تؤكده.

فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يقل: هيهات منا أن نُغلب.

ولم يقل: هيهات منا أن نُقتل.

ولم يقل: هيهات منا أن تؤخذ أموالنا، أو يسبى عيالنا، أو يظفر العدو بنا.

بل رفض ذلة محددة عرضت عليه في ذلك الظرف، وهي أن ينزل على حكم عبيد الله بن زياد، وأن يسلم نفسه تسليم الخاضع لإرادة السلطة الأموية، وأن يمنحها بخضوعه ما تريده من الإقرار بسلطانها والانقياد لأمرها.

ولهذا قال قبلها:

«قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة».

فلم تكن الذلة هنا مجرد وقوع القتل، أو الأسر، أو الهزيمة، وإنما كانت اختيار الخضوع الذي يخالف تكليفه في ذلك الموقف.

أما أن يُقتل مظلوماً، وأن يذبح هو وأهل بيته وأصحابه، وأن تسلب أمواله، وأن تحرق خيامه، وأن تؤسر نساؤه وأطفاله، فكل ذلك لم يكن ذلاً في ميزان الله، وإن كان يمثل ـ بحسب معايير الناس ـ غاية الانكسار والذل والهوان.

بل إن كربلاء نفسها أوضح شاهد على بطلان المعيار الذي يراد اليوم إلصاقه بالحسينية.

فلو كانت العزة تعني ألا يتمكن العدو من الإنسان، وألا يقتله، وألا يسلبه، وألا يأسر عياله، لكانت واقعة كربلاء ـ وفق هذا المعيار ـ هزيمة كاملة وذلاً لا نظير له.

فالإمام الحسين (عليه السلام) لم ينتصر عسكرياً.

ولم يسقط سلطان يزيد في يوم عاشوراء.

ولم يمنع أعداءه من قتله، وقتل أصحابه وأهل بيته.

ولم يمنعهم من سلب رحله، وإحراق خيامه، وسوق نسائه وأطفاله أسرى من بلد إلى بلد.

ومع ذلك كانت كربلاء قمة العزة.

فمن أين جاءت هذه العزة، مع اجتماع كل مظاهر الغلبة، والقهر، والانكسار بحسب المعيار البشري؟

لم تأت من النتيجة العسكرية، بل من طاعة الله.

ولم تأت من قدرة الحسين على منع عدوه، بل من عجز عدوه عن حمله على معصية ربه.

فقد استطاعوا أن يقتلوه، لكنهم لم يستطيعوا أن يجعلوه يبايع يزيد.

واستطاعوا أن يسلبوا ماله، لكنهم لم يستطيعوا أن يسلبوا منه يقينه.

واستطاعوا أن يأسروا عياله، لكنهم لم يستطيعوا أن يحملوه على النزول على حكم يخالف أمر الله.

وهذه هي العزة التي لا تنقضها الهزيمة العسكرية، ولا يزيلها الأسر، ولا يحولها القتل إلى ذل.

وفي المقابل، كان يزيد يملك الدولة، والجيش، والمال، والمنابر، واستطاع أن يقتل خصمه ويسوق عياله أسرى، لكنه كان في ميزان الله ذليلاً؛ لأنه لم يملك تلك القوة إلا في طريق المعصية والظلم.

فالحسين (عليه السلام) لم يعلمنا أن العزة هي الانتصار دائماً، بل علمنا أن العزة هي ألا تهزمنا المعصية، وإن هزمنا العدو.

ولم يعلمنا أن الذل هو أن يقهرنا الظالم، بل علمنا أن الذل هو أن يدفعنا خوف الظالم، أو ضغط الجمهور، أو الحرص على السمعة، إلى مخالفة أمر الله.

من الشعار إلى المغالطة

ومن هنا يظهر موضع المغالطة في الاستدلال بقول الإمام الحسين (عليه السلام): «هيهات منا الذلة».

إذ يؤخذ هذا القول من ظرفه الخاص، ثم يحول إلى قاعدة عامة مفادها أن الحسيني يجب أن يرفض كل صلح، وكل هدنة، وكل صبر على سلطان ظالم، وكل انسحاب من مواجهة، وأن يختار القتال في كل ظرف، مهما كانت موازين القوى، ومهما كانت النتائج المتوقعة، ومهما ترتب على ذلك من سفك الدماء، وهتك الأعراض، وتلف الأموال.

لكن هذه القاعدة لم يقل بها الحسين، ولم يطبقها في حياته.

فهو الذي التزم الصلح مع معاوية.

وهو الذي رفض الخروج عليه ما دام العهد قائماً.

وهو الذي قال: أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت.

وهو الذي غادر حين طلبوا دمه.

وهو نفسه الذي رفض بيعة يزيد، ثم بذل نفسه، وأهله، وأصحابه، حين صار بذلهم هو تكليفه.

فإن قيل: إن الحسيني لا يقبل الذل، قلنا: نعم، لا يقبل ذل المعصية.

أما أن يجعل الإنسان كل ما يؤلمه، أو يقهره، أو ينقص سلطانه، ذلاً محرماً، ثم يطالب الناس بالحرب فراراً منه، فهذا ليس تفسيراً لسيرة الحسين، بل استبدال لمعيار الحسين بمعيار آخر.

وعندئذ يصبح الإنسان حسينياً أكثر من الحسين: يرفض الصلح الذي قبله الحسين، ويرفض الصبر الذي صبره الحسين، ويرفض الهجرة التي اختارها الحسين، ويجعل المواجهة واجبة في ظروف لم ير الحسين نفسه وجوبها فيها.

والحسينية الحقيقية ليست أن نصنع من الحسين صورة توافق أهواءنا، ثم نحاكم الناس إليها.

وإنما أن نتعلم منه العبودية لله؛ فنصبر حين يأمرنا الله بالصبر، ونفي بالعهد حين يجب الوفاء، ونحفظ الدماء حين يحرم إراقتها، ونقف حين يجب الوقوف، ونبذل النفس حين لا يبقى طريق إلى طاعة الله إلا ببذلها.

فليس الحسيني من يختار الحرب دائماً، وإنما الحسيني من يختار الله دائماً.

من الذل الصغير إلى الذل الكبير

ولنفرض ـ تنزلاً مع هذا الفهم ـ أن جميع ما تقدم يصح أن يسمى ذلاً بحسب موازين الناس.

فلنسلم ـ جدلاً ـ أن غصب الحق ذل.

والصبر على الظلم ذل.

والصلح مع معاوية ذل.

والسكوت عن بعض الأذى ذل.

والهجرة فراراً من القتل ذل.

والقتل، وسلب الأموال، وسبي العيال، كلها ذل.

فماذا يثبت بذلك؟

لا يثبت إلا أن أولياء الله اختاروا ـ امتثالاً لأمر الله ـ ما يراه الناس ذلاً، فراراً من ذل أعظم، هو ذل معصية الله.

فغاية ما في الأمر أنهم تحملوا ـ إن أبيت إلا أن تسميه ذلاً ـ ذلاً صغيراً، ولم يرضوا لأنفسهم بالذل الكبير.

بل تحملوا ذلاً موهوماً، ولم يرضوا بالذل الحقيقي.

وتحملوا ذلاً مؤقتاً، ولم يرضوا بالذل الأبدي.

فالدنيا ـ بكل ما فيها من عز وذل ـ أيام معدودة، ثم تنقضي.

وما يعده الناس عزاً أو ذلاً فيها إنما هو ـ في أكثره ـ اعتبارات اصطلحوا عليها، لا وزن لها إذا خالفت ميزان الله.

أما الآخرة، فهي دار القرار.

وفيها يظهر العز الحقيقي، والذل الحقيقي.

هناك يكرم الله أهل طاعته، ويذل أهل معصيته.

وهناك يعلم الناس أن ما كانوا يعدونه عزاً في الدنيا لم يكن إلا وهماً، وأن ما كانوا يحسبونه ذلاً كان طريقاً إلى الكرامة الأبدية.

ومن هنا تتجلى روعة كلمة الإمام الصادق (عليه السلام). فقد روى محمد بن مرازم، عن أبيه، قال:

«خرجنا مع أبي عبد الله (عليه السلام) حيث خرج من عند أبي جعفر من الحيرة، فانتهى إلى السالحين في أول الليل، فعرض له عاشر فقال: لا أدعك تجوز. فقال له مصادف: جعلت فداك، ائذن لنا نضرب عنقه ونطرحه في الفرات. فأبى الإمام (عليه السلام)، ولم يزل الرجل يمنعه حتى ذهب أكثر الليل، ثم أذن له بالجواز، فلما مضى قال الإمام:

يا مرازم، هذا خير أم الذي قلتما؟

قال: قلت: هذا، جعلت فداك.

فقال: يا مرازم، إن الرجل ليخرج من الذل الصغير، فيدخله ذلك في الذل الكبير».

ولعل المراد بالذل الصغير في كلام الإمام (عليه السلام) ليس الذل الحقيقي في ميزان الله، وإنما ما يعده الناس ذلاً بحسب مقاييسهم العرفية؛ فإن من المألوف في لسان العرب، بل وفي القرآن الكريم، أن يجري المتكلم في بعض تعبيراته على وفق ما تعارفه مخاطبه، لا على وفق ما يعتقده هو، كما في قوله تعالى حكاية عن يوسف (عليه السلام):

﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾.

فإن يوسف (عليه السلام) لم يكن يعتقد ربوبية ملك مصر بالمعنى الإلهي، وإنما استعمل لفظ الرب بمعنى السيد المتصرف، وفق اللسان المتعارف عندهم.

وعلى هذا، فكأن الإمام الصادق (عليه السلام) يقول:

إذا أبيتم إلا أن تسموا احتمال هذا الأذى، والصبر عليه، ذلاً، فهو ذل صغير.

أما الذل الكبير، فهو أن يوقع الإنسان نفسه في معصية الله، أو يجر على نفسه وعلى المؤمنين من البلاء ما لا يريده الله، فراراً من هذا الذي يتوهمه الناس ذلاً.

وهكذا كانت سيرة أمير المؤمنين، والإمام الحسن، والإمام الحسين (عليهم السلام).

لم يكونوا يفرون من كل ما يسميه الناس ذلاً.

وإنما كانوا يفرون من ذل معصية الله.

ولذلك كانوا مستعدين لتحمل كل ما يراه الناس ذلاً إذا كان هو طريق طاعة الله، ومستعدين لرفض كل ما يراه الناس عزة إذا كان ثمنه مخالفة أمره.

وهنا يتضح معنى الحسينية الحقيقية.

فليس الحسيني من يرفض كل ما يسميه الناس ذلاً.

بل الحسيني هو الذي يرفض الذل الذي رفضه الحسين، وهو ذل معصية الله، ويقبل بما قبله الحسين إذا كان هو تكليف الله، وإن سماه الناس ذلاً.

فمن جعل معياره موافقة التكليف الإلهي، فقد سار على نهج الحسين.

ومن جعل معياره ما يسميه الناس عزاً أو ذلاً، فقد يخيل إليه ـ وهو يحسب أنه يعظم الحسين ـ أنه صار حسينياً أكثر من الحسين، بينما لم يكن الحسين (عليه السلام) يريد من شيعته إلا أن يكونوا عباداً لله، يدورون مع أمره حيث دار.