قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.

قد يكون من أهم ما تكشفه هذه الآية الكريمة أنها لا تناقش حكماً فقهياً فحسب، بل تهدم منهجاً كاملاً في التفكير والاستدلال.

فلم يحكِ القرآن عنهم أنهم قالوا: إنما الربا مثل البيع، وإنما قال: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾.

وهذا التعبير دقيق للغاية؛ لأنه يكشف أنهم جعلوا الربا هو الأصل في باب الاسترباح، والمصداق الأوضح لتحصيل الربح، ثم قاسوا البيع عليه.

فكأنهم يقولون: إن البيع إنما يستحق المشروعية لأنه يحقق الغاية نفسها التي يحققها الربا، وهي الاسترباح وزيادة المال.

ولعل منشأ هذا القياس أن الربا ـ في نظرهم ـ يحقق هذه الغاية بصورة أسهل وأسرع من البيع؛ فالتاجر يحتاج إلى شراء البضاعة، وحفظها، وتسويقها، وتحمل مخاطر التجارة، ثم بيعها ليستحصل الربح، بينما المرابي لا يحتاج إلا إلى إقراض المال بفائدة مشروطة، ثم استرجاعه مع الزيادة.

ومن هنا استدلوا على حلية الربا بقياسه على البيع، بل أوحوا ـ ضمناً ـ بأن مشروعية الربا أولى من مشروعية البيع؛ لأنه يحقق النتيجة المقصودة من التجارة بطريقة أقرب وأسهل.

وهذا يكشف عن منهج في التفكير لا يزال يتكرر في صور مختلفة، وهو قياس مشروعية الوسائل والطرق بالغايات والنتائج التي تحققها.

فمتى كانت الغاية غايةً راجحة ومطلوبة، حكموا بمشروعية كل طريق يؤدي إليها.

لكن القرآن أبطل هذا المنهج من أساسه بقوله: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾. والواو هنا واو الحال، أي: قالوا ذلك والحال أن الله قد أحل البيع وحرم الربا.

فليست القضية أن الطريق يكتسب مشروعيته من النتيجة التي يحققها، وإنما القضية هي: هل أذن الله بهذا الطريق للوصول إلى تلك النتيجة، أم لم يأذن به؟

فإن كان مأذوناً به كان مشروعاً، وإن لم يكن مأذوناً به كان محرماً، مهما بدت غايته حسنة أو نافعة.

بل إن القرآن يقلب الميزان رأساً على عقب؛ فلا يجعل قيمة الطريق تابعة للنتيجة، وإنما يجعل قيمة النتيجة نفسها تابعة للطريق الذي سلكه الإنسان إليها.

فالمرابون يتوهمون أنهم يحققون الاسترباح بصورة أكمل من البيع، بينما الحقيقة الشرعية أنهم لا يحققون استرباحاً أصلاً؛ لأن ملكية المال ليست أمراً واقعياً مستقلاً، وإنما هي حكم شرعي يتوقف على إذن الشارع.

فإذا نهى الشارع عن طريق معين لاكتساب المال، فإن الزيادة الحاصلة من ذلك الطريق لا تدخل في ملك الآخذ شرعاً، بل تبقى على ملك صاحبها الأصلي، ويكون أخذها أكلاً للمال بالباطل، ويحاسب الإنسان عليها يوم القيامة.

وقد صرح القرآن بذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾، فلم يجعل للمرابي إلا رأس ماله، وأسقط حقه في الزيادة المشروطة، كما قال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وهو من أشد وجوه الوعيد في القرآن، مما يكشف أن ما يتوهمه الإنسان ربحاً إنما هو في الحقيقة مال محرم لا يقره الشارع.

ولذلك حكم الفقهاء في القرض الربوي بصحة أصل القرض، وأما الزيادة المشروطة فلا تدخل في ملك المقرض، بل تكون مالاً حراماً وسحتاً يجب ردّه إلى مالكه.

وأما البيع، فلما كان طريقاً مأذوناً به شرعاً، كان الربح الحاصل منه ملكاً حقيقياً للبائع، وتترتب عليه جميع آثار الملك الشرعي.

ومن هنا يتبين أن الإسلام لا يقوّم الوسائل بنتائجها، بل يقوّم النتائج بمشروعية الوسائل.

فالغاية لا تمنح الطريق شرعيته، وإنما الطريق المشروع هو الذي يمنح الغاية قيمتها وآثارها الشرعية.

وإذا كان الاستدلال السابق يكشف عن انحراف في منهج التفكير، فإن هناك انحرافاً أشد منه وأبعد عن منطق القرآن.

ففي المثال السابق كان المرابي يبرر سلوك الطريق المحرم لأنه يتوهم أن هذا الطريق يحقق الربح بصورة مضمونة، فهو يشترط الزيادة على المقترض ويوثقها، فيرى أنه قد ضمن النتيجة التي يسعى إليها، ثم يحتج بهذه النتيجة المتوهمة على مشروعية الطريق.

أما في الميسر والقمار، فإن الأمر أشد غرابة؛ لأن سالك هذا الطريق لا يضمن النتيجة أصلاً، بل يقدم على المخاطرة والمغامرة من البداية، وهو يعلم أنه كما يحتمل الربح يحتمل الخسارة، بل قد يكون احتمال الخسارة أرجح بحسب الحساب العقلي والواقع الخارجي.

ومع ذلك يبرر لنفسه سلوك هذا الطريق المحرم، الذي قرنه القرآن بالخمر في قوله تعالى:

﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾.

فإذا نُهي عن القمار قال: انظر، لقد ربحت! ولو كان القمار محرماً لما ربحت منه.

وهذا من أعجب أنواع المغالطة؛ لأنه يجعل الربح الاتفاقي دليلاً على صحة الطريق، مع أنه قبل دخوله في القمار كان يعلم أن النتيجة غير مضمونة، وأنه قد يربح وقد يخسر.

فلو كانت النتيجة هي المعيار، للزم أن يكون القمار حلالاً إذا ربح، وحراماً إذا خسر! ولا يقول بهذا عاقل.

بل إن الواقع يشهد بأن المقامر قد يربح مرة، أو مرتين، أو مرات عديدة، فيتوهم أنه قد أحسن اختيار الطريق، وأنه قد اكتشف وسيلة مضمونة للاسترباح، وأنه بمنأى عن الخسارة التي يقع فيها غيره.

ولكنه لا يلبث أن يفاجأ بالحقيقة التي كان يخدع بها نفسه، وهي أن هذا الطريق لم يكن يوماً طريقاً مضموناً، وإنما كان قائماً على المخاطرة من أول الأمر. فيمنى بخسارة واحدة تذهب بكل ما جمعه، وربما انتهى به الأمر إلى الإفلاس وضياع ماله كله.

ولهذا جاءت النصوص الشرعية في ذم القمار، وعدّته سبباً لمحق المال وإفساد حياة الإنسان.

ومن هنا يظهر أن هذا النمط من الاستدلال أشد فساداً من سابقه؛ لأن المرابي على الأقل يتوهم أن الطريق يحقق الغاية بصورة مضمونة، أما المقامر فإنه يسلك طريقاً محرماً مع علمه بأنه قائم على المغامرة والمخاطرة، ثم إذا اتفق أن ربح جعل هذا الربح الاتفاقي دليلاً على صحة الطريق، متناسياً أن الطريق نفسه كان يحتمل الخسارة منذ البداية، وأن الشارع إنما حرمه بما هو طريق، لا بالنظر إلى ما قد يترتب عليه اتفاقاً من ربح أو خسارة.

فالميزان في الشريعة ليس هو ما إذا صادف الإنسان الربح، وإنما الميزان هو: هل أذن الله بهذا الطريق ابتداءً أم لم يأذن؟

فإن أذن به كان السعي فيه مشروعاً وربحه حلالاً، وإن نهى عنه لم يحوله الربح الاتفاقي إلى طريق مشروع، كما لا يحول وقوع الخسارة فيه الحرام إلى حرام آخر، لأن الحرمة ثابتة للطريق نفسه قبل النظر إلى نتيجته وبعدها.

وهذا النمط من التفكير لا يقتصر على الربا والميسر، بل يتجاوزهما إلى كثير من المشاريع المعاصرة، ولا سيما تلك التي تُكسى بلباس الدين، ويُراد إضفاء الشرعية عليها باسم الدين.

فأصحاب هذه المشاريع لا يختلفون في حقيقة منهجهم عن المقامر؛ لأنهم كثيراً ما يسلكون طرقاً تقوم على مغامرات سياسية وعسكرية غير محسوبة، تكون احتمالات الخسارة فيها كبيرة، بل قد تكون راجحة بحسب الموازين العقلائية في تقدير الربح والخسارة، ثم يحاولون بعد ذلك إثبات مشروعية هذه الطرق بمجرد أن بعضها انتهى إلى نتائج موفقة أو انتصارات مرحلية.

فيقولون: ألم نخض التجربة الأولى مع أن الظروف لم تكن مؤاتية، والعالم كله كان ضدنا، ومع ذلك انتصرنا؟!

وألم نخض التجربة الثانية في ظروف مشابهة وانتصرنا أيضاً؟!

فإذا كان هذا الطريق قد أوصلنا في السابق إلى النصر، فهو إذن طريق صحيح، بل هو الطريق الذي ينبغي أن نسلكه دائماً.

ثم يتحول ذلك إلى خطاب تعبوي يقوم على رفع شعارات شعبوية، يراد بها إقناع القاعدة الشعبية بأن هذا المشروع قد أثبت عصيانه على الهزيمة، وأنه تجاوز الموازين الطبيعية التي تحكم الصراعات، حتى كأن السنن الإلهية الجارية في أسباب النصر والهزيمة لم تعد تنطبق عليه، وأن مستقبله لن يكون إلا سلسلة من الانتصارات الاستثنائية، مهما اختلت موازين القوى، أو فقد شروط الغلبة، أو ترجحت أسباب الهزيمة بحسب المقاييس العسكرية والعقلائية المتعارفة.

وهذا الخطاب لا يراد منه مجرد رفع المعنويات، بل يراد منه ترسيخ القناعة بأن نجاح بعض التجارب السابقة كافٍ لإثبات صحة الطريق وضمان نجاحه في المستقبل، مع أن ذلك لا يعدو أن يكون إعادة إنتاج للمغالطة نفسها التي وقع فيها المقامر حين جعل ربحه السابق دليلاً على سلامة المقامرة.

وهذه في الحقيقة مغالطة لا تختلف في جوهرها عن مغالطة المقامر الذي يحتج بربحه السابق على صحة المقامرة.

فإن الانتصار المرحلي في تجربة أو تجربتين لا يغير من طبيعة الطريق شيئاً، كما أن ربح المقامر مرة أو مرات لا يحول القمار إلى وسيلة مشروعة أو مأمونة العاقبة.

فوقوع النصر لا يكشف أن الطريق كان مأذوناً به شرعاً، كما أن وقوع الربح لا يكشف عن حلية الربا أو القمار.

فالنتيجة الخارجية ليست دليلاً على الحكم الشرعي للطريق، وإنما الحكم الشرعي هو الذي يحدد قيمة النتيجة.

بل قد تكون تلك الانتصارات المؤقتة نفسها سبباً في ترسيخ الوهم، وإقناع أصحاب هذه المشاريع بأنهم اكتشفوا طريقاً مضموناً، فيزدادون ثقة به، ويكررون التجربة في ظروف أشد خطراً، حتى تقع الهزيمة التي تبدد جميع المكاسب السابقة، وتذهب بكل ما تحقق في سنوات طويلة، وتدخل الجماعة في نكبة قد تحتاج إلى عقود حتى تتعافى منها، إن بقيت لها القدرة على النهوض من جديد.

ومن هنا كان من أخطر الانحرافات الفكرية أن تُستمد مشروعية المشاريع من نجاحاتها السابقة، أو من نتائجها المرحلية، بدلاً من أن تُستمد من الدليل الشرعي الذي يأذن بسلوك هذا الطريق ابتداءً.

لقد أراد القرآن أن يهدم هذا الميزان من أساسه.

فليس كل طريق أوصل إلى نتيجة راجحة يصبح مشروعاً، وإنما المشروع هو ما أذن الله به ابتداءً، سواء أدرك الناس حكمته أم لم يدركوها.

ولذلك لم يقل سبحانه: إن الربا حلال لأنه يحقق الاسترباح، وإنما قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.

فالشرعية تسبق النتيجة، ولا تستمد منها. فالنجاح لا ينشئ حكماً شرعياً، وإنما الحكم الشرعي هو الذي يمنح النجاح قيمته وآثاره.