وردت في الروايات الإمامية نصوص كثيرة في النهي عن التوقيت لظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، بل في تكذيب الموقّتين والتشديد عليهم. ومنها: 1. رواية الفضيل بن يسار قال: (قلت لأبي جعفر (عليه السلام): هل لهذا الأمر وقت؟ فقال: «كَذَبَ الوَقّاتُون، كَذَبَ الوَقّاتُون، كَذَبَ الوَقّاتُون». وتكرار الإمام (عليه السلام) العبارة ثلاث مرات يدل على شدة الإنكار. 2. رواية أبي بصير أبي بصير قال: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جُعلت فداك، متى الفرج؟ فقال: «يا أبا محمد، إنّا أهل بيت لا نوقّت»). وهذا نص واضح في نفي أصل التحديد الزمني. 3. رواية المفضل بن عمر عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (من وقّت لك من الناس شيئاً فلا تهابن أن تكذّبه، فلسنا نوقّت لأحد وقتاً). وهي واضحة في: وجوب ردّ التوقيت، وعدم قبول أي دعوى تحدد زمناً للظهور.

ما معنى «التوقيت»؟

التوقيت ليس محصوراً في أن يقول شخص: الظهور سيكون سنة كذا، أو في يوم كذا، أو بعد خمس سنوات، بل هذا هو التوقيت الصريح المباشر.

لكن توجد صورة أخرى أخطر أحياناً، وهي: التوقيت الضمني أو المبطّن.

أي إنشاء معادلات تؤدي عملياً إلى تحديد زمن الظهور أو رسم أمد زمني له، ولو من دون تصريح، وقد عدّ العلماء هذا من أنحاء التوقيت المنهي عنه.

صور التوقيت الضمني:

1. ربط الظهور بشخص معيّن مثل أن يقال: فلان سيدرك الإمام المهدي (عليه السلام) قطعاً، أو هذا الجيل هو جيل الظهور حتماً.

فهذا يتضمن ضمنياً: أن الظهور سيكون قبل وفاة ذلك الشخص أو ذلك الجيل.

2. ربط الظهور بدولة أو نظام سياسي معيّن مثل القول: هذه الدولة هي نواة دولة الإمام (هليه السلام)، أو هذا الحكم سيمتد إلى الظهور، أو هذه الحركة ستسلّم الراية للإمام مباشرة.

فهذه الدعوى تتضمن افتراضاً ضمنياً: ببقاء هذا الكيان السياسي إلى زمن الظهور، وهذا لون من التوقيت غير المباشر لأنك عملياً جعلت عمر ذلك الكيان مؤشراً زمنياً للظهور.

3. الجزم بتطبيق العلامات على وقائع معاصرة.

مثل: الجزم بأن هذا الشخص هو السفياني، او اليماني، أو الخراساني.

أو أن هذه الحرب هي المعركة النهائية، أو أن هذه الأحداث هي المقدمة القريبة الحتمية.

فهذا كثيراً ما يتحول إلى توقيت مستتر، لأن الناس ستبني عليه: أن الظهور خلال أشهر أو سنوات قليلة.

لماذا شددت الروايات في النهي عن التوقيت؟

يمكن فهم ذلك من عدة جهات:

أ. لأن وقت الظهور من الغيب الإلهي والروايات تؤكد أن العلم بالوقت الحقيقي لظهوره (عليه السلام) عند الله تعالى، فقد ورد في دعاء زمن الغيبة عبارة:

(وثبِّتني على طاعة وليِّ أمرك الذي سترته عن خلقك فبإذنك غاب عن بريتك، وأمرك ينتظر، وأنت العالم غير معلم بالوقت الذي فيه صلاح أمر وليك في الإذن له بإظهار أمره وكشف سِرِّهِ وصَبِّرني على ذلك حتى لا أحبَّ تعجيل ما أخَّرت ولا تأخير ما عجَّلت).

ب. لأن التوقيت يسبب الفتن والانهيارات، والتجربة التاريخية تثبت أن: كل موجة توقيت تنتهي بخيبة، ثم تؤدي إلى: الإحباط، بل الشك، وتزلزل العقيدة بالمهدي، بل الاتداد عنها، والعياذ بالله.

فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قوله: «هلك المستعجلون، ونجا المسلّمون، وإلينا يصيرون».

وهو مرتبط بمسألة التوقيت؛ لأن التوقيت غالباً يولّد استعجالاً ثم صدمة وانهياراً عند عدم تحقق التوقعات، ويؤدي إلى الهلكة.

ولذلك شددت الروايات على التكذيب المسبق للموقّتين.

ج. لأن التوقيت قد يوظَّف سياسياً من اصحاب المشاريع المشبوهة، فكثير من هذه الحركات عبر التاريخ استثمرت فكرة قرب الظهور لتبرير مشروع سياسي أو عسكري أو لإضفاء قداسة على دولة أو قيادة معينة.

ولهذا كان علماء الإمامية المتقدمون عادة شديدي الرفض لربط الدول والأشخاص حتماً بمشروع الظهور.

وحذروا من تحميل الروايات على الأحداث اليومية بسرعة، أو الجزم بالتطبيقات السياسية المعاصرة، أو تحويل الظنون إلى يقينيات مهدوية.

لأن الروايات الواردة في علامات الظهور، كثير منها مجمل ولو مصداقاً، أو قابل لتعدد الاحتمالات، أو غير قطعي السند والدلالة.

ولهذا كان المنهج السائد عند علماء الإمامية التوقف وعدم الجزم، مع التسليم بوقوع الظهور في الوقت الذي يريده الله تعالى.