[وظيفة الأنبياء والهدف الأساس الذي سعوا لتحقيقه]

الواجب على الأنبياء وأوصيائهم (صلوات الله عليهم) - بل على كل من يقدر على ذلك من علماء ساروا على نهجهم واهتدوا بهداهم - الذي لا يسقط بحال أمور:

الأول: بيان الدين الحق ونشر تعاليمه وأحكامه وإقامة البراهين القاطعة والدلائل الواضحة على ذلك بما يضمن بقاء الدين واستمراره من جهة، وقيام الحجة البالغة الآخذة بأعناق العباد في كل مكان وزمان من جهة أخرى، حتى لا تبطل حجج الله وبيناته، ولا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

فإنه لا معنى للنبوة وخلافة مقام الأنبياء من قبل الأوصياء والعلماء الربانيين إلا ذلك، وفي التنازل عنه إبطال للنبوة وما يتفرع عليهامن أصلها وأساسها.

وهو ما يحكم به العقل ودلت عليه محكمات آيات الكتاب الكريم كما لا يخفى.

الثاني: الاهتمام باستصلاح البشر، وحملهم على أداء ما عليهم، وعلى التفاعل مع دعوة الدين وتجسيدها في سلوكهم، وذلك من خلال الموعظة الحسنة، ترغيباً وترهيباً.

وتحبّبهم لهم بتواضعهم، وحسن خلقهم، فإن لذلك أعظم الأثر في تفاعل الناس معهم وتقبلّهم منهم.

قال عزّ من قائل: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، وقال عزّ وجل: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، وقال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)، وقال جلّ شأنه: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ).

والثالث: تطبيقهم مبادئ الدين وتعاليمه على أنفسهم قبل غيرهم، وعدم محاباتهم فيها الأقارب وأهل الدنيا ونحوهم، وعدم خروجهم عن حرفية الأحكام الإلهية، أو تنازلهم عن مبادئه السامية لأجل مصالح آنية دنيوية ومصالح شخصية.

لما لذلك من الأثر البالغ في نفوس الناس في استشعار صدق الداعي فيما يدعو إليه.

قال تعالى حاكياً عن شعيب: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ).

فإذا أدوا الوظيفة المذكورة فبعد ذلك صدق في حق الناس قوله تعالى: (فمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) وفي حق دعاته قوله: (فإن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ).

ومن المعلوم عدم تقصير الرسل والأنبياء (صلوات الله عليهم) في القيام بهذه الوظيفة وادائهم لها على أتم وجه وأبلغه، حتى أوصلوا الدين الحق إلينا وتركونا على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا شقي.

يجب إقامة حكم الله في الأرض إذا أمكن

كما يجب على الأنبياء والأوصياء (صلوات الله عليهم) وعلى الأئمة المعصومين (عليهم السلام) الذين جعلهم الله تعالى أولياء على الناس، وعهد إليهم إدارة أمورهم، أن يقيموا حكم الله في الأرض، وينشروا العدل مع تيسر ذلك لهم، لوجود الأنصار بالمقدار المناسب للمطلوب.

إلا أن ذلك ليس هو الوظيفة الأساس لهم التي تجب عليهم على كل حال وفي التنازل عنها إبطال لإمامتهم على الناس.

بل هو أحد الواجبات الشرعية الفرعية التي تجب إذا توفرت شروطها وتحققت الظروف الموضوعية المطلوبة لتحقيقها، وتسقط في غير هذه الصورة.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها).

فهو صريح أن الذي أوجب عليه التصدي للحكم وإدارة الدولة ونشر العدل وقمع الظلم هو تحقق شرط وجوب ذلك بتحلّق الناس حوله - ولو ظاهراً - بعد مقتل عثمان .. ولولا ذلك لألقى حبلها على غاربها.

فليس الحكم وإقامة الدولة هو الوظيفة الأساسية لهم، التي أرسلوا من أجلها، والتي تكون معياراً في مدى نجاحهم، بل هو ـ كسائر جهات الإصلاح ـ يتوقف على توفر شروطه، من دون أن يكون له دخل في وظيفتهم الأساسية كأنبياء ومرسلين، فضلاً أن يزاحمها أو يقدم عليها.

ويدل على ذلك ما في حديث أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام): (قال: لما حضر النبي (صلى الله عليه وآله) الوفاة نزل جبرئيل (عليه السلام). فقال له جبرئيل: يا رسول الله، هل لك في الرجوع؟ قال: لا، قد بلغت رسالات ربي. ثم قال له: يا رسول الله أتريد الرجوع إلى الدنيا؟ قال: لا، بل الرفيق الأعلى).

سؤال للتأمل

مع أن الكل يعلم أن السنوات العشر التي عاشها النبي (صلى الله عليه وآله) مع المسلمين في المدينة لم تكن كافية لاستئصال بذرة الكفر والنفاق من النفوس، بل أوجبت نمو تلك البذرة في نفوس الكثيرين وأورثتهم أحقاداً بدرية وأحدية وحنينية، وأنهم في نهاية المطاف ما أسلموا ولكن استسلموا فكانوا الطلقاء.

والكل يعلم أن هؤلاء وقد كانوا كثراً وكانو يعدون على النبي أنفاسه لينقلبوا على أعقابهم وينقضوا على أهل بيته (عليهم السلام) ويرجعوا إلى ما كانوا عليه من الشرك وعبادة الأثان، لولا أنهم رأوا في رفعهم لراية الإسلام ظاهراً من المنفعة الدنيوية ما لا يحصل لهم بارتدادهم على أعقابهم كافرين.

فلماذا لم يقل(صلى الله عليه وآله) لجبرائيل - وقد كرر عليه السؤال مرتين - نعم لي في البقاء حاجة.

فالدولة الإسلامية لا تزال فتية، والمنافقون يتربصون بها الدوائر وقد مردوا على النفاق، وأهل بيتي مبغوضون حسداً لسابقتهم في الإسلام وقيامه على تضحياتهم.

فلأبق ١٠ سنوات أخرى أركز فيها دعائم الدولة واستأصل جذوة النفاق من النفوس، ويستتب فيها الأمر لأهل بيتي (عليهم السلام) من بعدي، وأضمن بذلك بقاء واستمرار الدولة الإلهية التي أسستها على الأرض، ثم أذهب للقاء ربي؟!

أليس جوابه (صلى الله عليه وآله) كالصريح في أن وظيفته التبليغ، وأنه قد قام به كاملاً من دون أن يبقى شيء من وظيفته، ليبقى في الدنيا من أجله؟!

وبناء على ما تقدم: ألا تكون تفدية الدولة - وأعني بها هنا دولة الإسلام الحقيقي التي يرأسها المعصوم (عليه السلام) من نبي أو إمام معصوم) - بنفس الإمام (عليه السلام) - ولو لم يكن هو الإمام الخاتم - تفدية للفرع بالأصل، وتضحية بالأصل من أجل الفرع؟

فإن كان هذا هو حال دولة الإسلام الحقيقي فما حال غيرها من الدول التي يراسها غير المعصوم والتى ترفع راية الإسلام ظاهراً ولا تقوى على تطبيق احكامه لو ارادت إلا جزئياً، فهل من العقل والإنصاف تفديتها بالإمام المهدي خاتم الأئمة المعصومين وبقية الله في الأرضين المدخر ليقيم دولة العدل الإلهي ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلما وجورا؟!!!

ما لكم كيف تحكمون؟!