يستغرب بعض الناس أن تكون الوظيفة الشرعية في بعض الأزمنة والظروف هي الصمت ولزوم البيت، ويرون في ذلك تعطيلًا لفاعلية المؤمن، وهدرًا لما يمتلكه من طاقة يمكن أن يوظفها في تغيير المجتمع وإصلاحه.
غير أن هذا الاستغراب يزول بأدنى مراجعة لهدي أهل البيت (عليهم السلام)، لأن الصمت ولزوم المنزل لم يكونا تكليفًا خُصَّ به عامة الشيعة، بل كانا في مرحلة من المراحل تكليف الإمام المعصوم نفسه.
فقد عقد الشيخ الكليني في الكافي بابًا بعنوان:
«باب أن الأئمة (عليهم السلام) لم يفعلوا شيئًا ولا يفعلون إلا بعهد من الله عز وجل وأمر منه لا يتجاوزونه».
وروى فيه أن الله تعالى أنزل على رسوله (صلى الله عليه وآله) كتابًا مختومًا، وانتقل إلى الأئمة واحدًا بعد آخر، فكان كل إمام يفتح خاتمه ويمضي لما أمره الله به.
فلما وصل الكتاب إلى الإمام الحسين (عليه السلام):
«ففك خاتمًا، فوجد فيه: أن اخرج بقوم إلى الشهادة، فلا شهادة لهم إلا معك، واشر نفسك لله عز وجل، ففعل».
ثم دفعه إلى ابنه الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام):
«ففك خاتمًا، فوجد فيه: أطرق، واصمت، والزم منزلك، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين، ففعل».
إنهما إمامان معصومان، وكتاب واحد، وأمر صادر من الله سبحانه؛ لكن تكليف أحدهما أن يخرج ويقدم نفسه ومن معه للشهادة، وتكليف الآخر أن يطرق، ويصمت، ويلزم منزله.
ومن الملفت أن الخطاب الإلهي لم يبدأ بقوله: «اصمت»، بل بدأ بقوله: «أطرق»؛ والإطراق هو خفض الرأس والإعراض عن المواجهة.
وكأنها ترسم للإمام، بعد الفاجعة الكبرى في كربلاء، مرحلةً عنوانها الإطراق أمام العاصفة حتى تمر، حفظًا للإمام، وحفظًا للبقية المؤمنة من شيعته، لئلا تستأصل الدعوة كلها.
ثم لم يقل تعالى: «اسكت»، بل قال: «اصمت»؛ لأن السكوت قد يكون موقفًا عارضًا، أما الصمت فهو عنوان مرحلة كاملة، يراد للإمام أن يعيشها، مع بقائه قائمًا بجميع وظائف الإمامة الأخرى من تعليم الشريعة، وتربية المؤمنين، وحفظ الدين.
وهنا ينبغي الالتفات إلى لسان الرواية؛ فهو ليس لسان نصيحة للإمام، بل هو خطاب رب العزة والجلال لعبده.
نعم، الإمام إمام على الخلق، وحجة الله على عباده، لكنه أمام ربه عبدٌ محض، لا يتقدم بين يديه، ولا يختار لنفسه نوع الحركة، وإنما يتحرك حيث يأمره الله، ويسكن حيث يأمره الله.
ولهذا قال الإمام الباقر (عليه السلام) في الرواية نفسها:
«فبتقدم علم ذلك إليهم من رسول الله صلى الله عليه وآله قام علي والحسن والحسين، وبعلم صمت من صمت منا».
فلم يكن الخروج فضيلة في مقابل لزوم البيت، ولا الصمت فضيلة في مقابل النطق، وإنما الفضيلة في امتثال التكليف الإلهي.
فليست العبرة بالقيام ولا بالقعود، ولا بالخروج ولا بلزوم البيت، ولا بالنطق ولا بالصمت، وإنما العبرة بأن تكون جميع حركات المؤمن وسكناته طاعةً لله تعالى، وسيرًا في خط العبودية، وامتثالًا لتكليفه.
ومن هنا يمكن فهم الروايات التي فسرت قوله تعالى:
>﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾.
فقد روي عن الإمام الباقر (عليه السلام):
«البئر المعطلة: الإمام الصامت، والقصر المشيد: الإمام الناطق».
وروي بهذا المضمون أيضًا عن الإمام الصادق (عليه السلام).
وهذا التعبير بالغ الدقة؛ فالبئر المعطلة ليست بئرًا لا ماء فيها، وإنما بئر موجودة، وماؤها موجود، لكن تعذر الاستقاء منها.
وكذلك الإمام الصامت؛ فهو حاضر بعلمه، قائم بحجته، يؤدي وظائفه في تعليم الشريعة، وتربية المؤمنين، وحفظ الدين، إلا أن التكليف الإلهي لم يكن يقتضي منه التصدي لمواجهة حكام الجور، بل أن يصمت عنهم، ويكف عن منازعتهم، ويحفظ خط الإمامة حتى يأتي أمر الله.
ثم وسعت بعض الروايات هذا المعنى، ففسرت البئر المعطلة بالإمام الغائب.
ففي تفسير القمي:
«هي الإمام الذي قد غاب، فلا يقتبس منه العلم إلى وقت ظهوره».
فالإمام موجود، كما أن الماء موجود في البئر، إلا أن الوصول المباشر إليه قد تعذر حتى يأذن الله بظهوره.
فإذا كان الله سبحانه قد أمر الإمام المعصوم نفسه: «أطرق، واصمت، والزم منزلك»، وإذا كانت روايات أهل البيت (عليهم السلام) قد سمت الإمام الصامت، ثم الإمام الغائب، «البئر المعطلة»، فأي وجه يبقى للاستغراب إذا كانت الوظيفة الشرعية في بعض الأزمنة هي الصمت، ولزوم البيت، وترك الاندفاع وراء كل داعٍ إلى الخروج؟
إن الاستغراب لا ينشأ من الروايات، وإنما ينشأ من تصور أن الحركة هي الأصل دائمًا، مع أن الأصل الذي أرسته مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) هو امتثال التكليف. ثم إن الأمر بالصمت، ولزوم البيت، وكفِّ الحركة في موضعه، ليس تعطيلًا لفاعلية الإمام أو المؤمن، ولا إهدارًا لطاقاته وقدراته، وإنما هو حفاظ عليها، وصيانة لها من أن تُستنزف في غير أوانها، لتبقى محفوظة حتى يحين الوقت الذي أراده الله لاستثمارها وإثمارها.
فإن كان التكليف خروجًا خرجنا، وإن كان صمتًا صمتنا، وإن كان لزومًا للبيت لزمناه؛ لأن العبرة في جميع ذلك ليست بالحركة ولا بالسكون، وإنما بصدق العبودية لله تعالى، والسير في الخط الذي رسمه لعباده.
