توضيح حول منشوري السابق عن (الانتظار) أو (الصبر الاستراتيجي) في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)
طلب مني عدد من الإخوة والأصدقاء الذين تفضلوا بالتعليق على منشوري السابق أن أوضح مقصودي أكثر، بعد أن أصبح المنشور محلاً لبعض المناقشات والاعتراضات.
ومن المعلوم أن طبيعة النشر في الفضاء الأزرق (فيسبوك) تفرض على الكاتب قدراً كبيراً من الاختصار، بل قد يضطر أحياناً إلى الاكتفاء بالإشارة إلى الفكرة وإرسال رسائل مقتضبة لا تستوعب جميع القيود والتفاصيل التي يقتضيها البحث العلمي.
ولذلك رأيت أن أكتب هذه الكلمات، لا بقصد الدخول في جدال، ولا رغبة في الانتصار لرأي، وإنما خدمة للفكرة، واستجابة لطلب من أحببت أن أحترم رأيهم، ولرفع ما قد يكون حصل من سوء فهم.
وأود قبل كل شيء أن ألفت النظر إلى نقطة أرى أنها مفتاح فهم جميع ما أكتبه في هذا الموضوع.
ذلك أن كثيراً من الإخوة الذين يناقشونني ينظرون إلى القضية من زاوية، بينما أنظر إليها أنا من زاوية أخرى.
فهم ينظرون إلى النتائج، بينما أنظر أنا إلى الأسباب.
وينظرون إلى الخواتيم، بينما أبحث في البدايات.
ويناقشون المآلات التي وصلنا إليها، بينما أناقش المسارات التي أوصلتنا إلى تلك المآلات.
فليس سؤالي: ماذا ينبغي أن نفعل بعد أن وجدنا أنفسنا في مواجهة مع الاستكبار العالمي مفروضة علينا؟
وإنما سؤالي هو:
ما هو المسار الذي كان ينبغي أن نسلكه منذ البداية حتى لا نصل أصلاً إلى هذا النوع من المآزق؟
إن حالنا في الواقع الذي نعيشه اليوم أصبح اشبه ما يكون بحال (بالع الموسى)؛ لا يستطيع صاحبها أن يبتلعها ولا أن يلفظها؛ فإن ابتلعها ذبحته، وإن لفظها ذبحته.
ونحن نعيش بالفعل ظروفاً معقدة، وفتناً تترك الحليم حيرانا.
ولكن لا ينبغي لذلك ان يصرفنا عن السؤال الأهم، وهو:
هل كان المسار الذي سلكناه في عصرنا الحاضر والذي أوصلنا إلى ما وصلنا إليه هو المسار الذي أرشدتنا إليه مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) منذ البداية؟
أم أنهم (عليهم السلام) أرادوا أن يبنوا الجماعة المؤمنة على نهج آخر، يقلل أسباب الانزلاق إلى مثل هذه المآزق، ويحفظها - ما أمكن - من الوقوع في مواجهات تستنزف وجودها وطاقاتها؟
فهذا هو محل كلامي، وهذا هو الذي قصدته عندما تحدثت عن الانتظار، أو عبرت عنه بلغة عصرنا بـ (الصبر الاستراتيجي).
وهنا أصل إلى أصل المسألة، فأقول:
إن قضية غيبة الإمام الثاني عشر، الإمام محمد بن الحسن المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ليست حادثة تاريخية فاجأت الشيعة بعد وقوعها، حتى اجتهدوا بعد ذلك في رسم منهجهم في زمن الغيبة.
بل إن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم الأئمة جميعاً (عليهم السلام)، أخبروا بهذه الغيبة قبل وقوعها، وهيؤوا شيعتهم لها على امتداد ما يقرب من ثلاثة قرون.
ومن غير المعقول أن يخبر الأئمة شيعتهم بأنهم سينقطعون عن إمام زمانهم، ثم يتركوهم هملاً من غير بيان لوظيفتهم في تلك المرحلة، مع أن من أعظم وظائف الإمام هداية الأمة، ومن مقتضى شفقته على أتباعه أن يرسم لهم الطريق الذي ينبغي أن يسلكوه عند غيبته.
ولهذا نجد أن الروايات الواردة في الغيبة ليست عشرات ولا مئات، بل هي بالآلاف، حتى أستطيع أن أقول: إنه ربما لم تحظ قضيّة في تراث أهل البيت (عليهم السلام) بما حظيت به قضية رسم وظيفة الشيعة في عصر الغيبة.
فالأئمة (عليهم السلام) لم يكونوا يخبرون شيعتهم بالغيب لمجرد الإخبار، وإنما كانوا يؤسسون وعياً كاملاً بمرحلة ما بعد الغيبة، ويحددون عنوانها، ويرسمون مسارها، ويبينون الوظيفة العامة التي ينبغي أن يسير عليها المؤمنون حتى يأذن الله تعالى بالفرج.
وهنا أحب أن أؤكد على أمر أراه أساسياً في فهم مقصودي.
فعندما أقول إن (الانتظار)، أو ما عبرت عنه بـ (الصبر الاستراتيجي)، هو الوظيفة العامة للشيعة في عصر الغيبة، فإنني لا أعني أنه حكم لا يقبل أي استثناء، ولا أعني أن المؤمن إذا فرضت عليه مواجهة أو عدوان وجب عليه الاستسلام وترك الدفاع عن نفسه ودينه وأرضه وعرضه.
فهذا لم أقله، ولا يقول به فقيه.
وإنما أقصد أن هذا هو العنوان الأولي الذي رسمه أهل البيت (عليهم السلام) لشيعتهم في عصر الغيبة، وأن هذا هو المسار العام الذي ينبغي أن يسيروا فيه باختيارهم وإرادتهم.
أما إذا طرأت ظروف قاهرة خارجة عن اختيارهم، كعدوان يفرض عليهم، أو هجوم لا يمكن دفعه إلا بالدفاع، أو أي عنوان شرعي آخر تثبت له أحكامه الخاصة، فإن الوظيفة حينئذ تتغير بمقدار الضرورة، لا أكثر.
وهذا ليس خاصاً بهذا الباب، بل هو قانون عام في الفقه الإسلامي كله.
فأكل الميتة، مثلاً، محرم بالعنوان الأولي، فإذا اضطر الإنسان إليها جاز له أن يأكل منها، ولكن بالمقدار الذي يحفظ حياته، لا أن تتحول الضرورة إلى منهج دائم.
وكذلك الكلام هنا.
ومن لطائف تشبيهاتهم (عليهم السلام) ما رواه الكليني (ره) في الكافي في الصحيح عن بشير [الدهان] عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: (قلت له: إنّي رأيت في المنام أنّي قلت لك: إنّ القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير؟ فقلت لي: نعم هو كذلك. فقال أبو عبداللّه (عليه السلام):هو كذلك هو كذلك).
فالبحث ليس في الأحكام الاضطرارية، وإنما في الوظيفة الأولية، وليس فيما يجب فعله بعد وقوع المواجهة، وإنما فيما ينبغي أن نسعى إليه قبل وقوعها.
ومن هنا أرى أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لم يكتفوا برسم هذه الوظيفة، بل أخبروا شيعتهم أيضاً بما يترتب على الالتزام بها.
فهم لم يقولوا لهم: هذا هو طريقكم، ثم تركوهم يواجهون المستقبل بقلق وخوف، بل طمأنوهم إلى أن السير في هذا الطريق هو سبيل النجاة، وأن الله سبحانه قد جعل له ضماناً خاصاً.
ولهذا فإنني لا أنظر إلى مسار الانتظار والصبر الاستراتيجي على أنه مجرد تحليل سياسي أثبت نجاحه عبر التاريخ، وإن كان التاريخ نفسه يشهد بأنه كان من أعظم أسباب حفظ التشيع، ومنع استنزاف طاقاته، وحفظ علمائه، وبقاء امتداده إلى يومنا هذا.
ولكن هذا النجاح التاريخي ليس هو دليلي.
وإنما الدليل الحقيقي فهو أن الإمام المعصوم هو الذي رسم هذا الطريق، وأن الله سبحانه وعد بحفظ من يسير فيه.
فالأساس عندي ليس التجربة، وإنما النص.
ولذلك نجد القرآن الكريم يقول:
﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾.
وقد فسرت روايات أهل البيت (عليهم السلام) التقوى في بعض مواردها بالتقية.
ولا أرى أن المراد من ذلك حصر معنى التقوى بالتقية، فإن التقوى أوسع من هذا بكثير، وإنما المراد بيان أن من أبرز مصاديق التقوى في عصر الغيبة الالتزام بالتقية، وبالوظيفة التي رسمها الإمام لهذه المرحلة.
فالصبر هنا ليس سلبية، ولا استسلاماً، ولا قعوداً عن أداء الواجب.
بل هو الصبر على أداء الواجب الذي عينه الإمام لهذه المرحلة.
والتقوى ليست مجرد حالة قلبية، بل هي الالتزام العملي بهذا المنهج.
وعندئذ يكون معنى الآية واضحاً:
إذا صبرتم على هذا الطريق، واتقيتم الله بالعمل بوظيفتكم، فإن كيد الأعداء ـ مهما بلغ ـ لن يبلغ الغاية التي يريدها من استئصالكم وإزالة وجودكم.
فنحن لا ننكر أن العالم قد يكيد للمؤمنين، ولا ننكر أن الشيعة تعرضوا عبر تاريخهم، وما يزالون يتعرضون، لألوان شتى من الظلم والعدوان.
لكننا نؤمن أيضاً بأن الله سبحانه لم يتركهم بلا وعد، بل تكفل بحفظهم إذا التزموا الطريق الذي رسمه لهم أولياؤه.
ومن هنا فإن اطمئناني إلى هذا المنهج لا ينبع من حسابات السياسة وحدها، وإنما من الإيمان بوعد الله، والتصديق بكلام حججه (عليهم السلام).
ولذلك فإنني أرى أن من أكبر الأخطاء المنهجية أن نناقش هذه القضية بمنطق الموازين المادية وحدها.
فنحن لسنا جماعة تبني مستقبلها على الحسابات العسكرية والسياسية فقط، وإن كنا لا نهملها، وإنما نحن أمة تؤمن بالغيب، وتؤمن بأن لله سنناً في حفظ أوليائه، وأن الإمام المعصوم حين يرسم لشيعته طريقاً، فإنه لا يرسمه بوصفه محللاً سياسياً، بل بوصفه حجة الله، العارف بسنن الله في عباده والمآلات البعيدة للأمور.
ولهذا فإن ثقتنا بهذا المسار ليست ثقةً بنتائج التجربة فقط، وإنما هي قبل ذلك ثقة بوعد الله، وتصديق لكلام أهل البيت (عليهم السلام).
ونجد هذا المعنى أوضح في كلمات أهل البيت (عليهم السلام).
فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «نجا المسلمون، وهلك المستعجلون، وثبتت الحَصْنُ على أوتادها...» فالإمام يشبه المؤمن الثابت في زمن الغيبة، الملتزم بوظيفته، بالحصن الراسخ الذي ثبتت أوتاده في الأرض، فلا تقتلعه العواصف، ولا تهزه الفتن.
ثم يقسم الإمام بالله تعالى، وهو من المواطن النادرة التي يقسم فيها الإمام لتأكيد المعنى، فيقول: «والله لا يقصدونكم بجائحة إلا أتاهم الله بشاغل، إلا من تعرض لهم.»
وهذه الرواية - في نظري - من أهم الروايات في هذا الباب.
فالإمام لا يقول إن الأعداء سيصبحون محبين لكم، ولا يقول إنهم سيتخلون عن عداوتكم.
بل يقول إن الله سبحانه يتكفل بصرف الجائحة الكبرى عنكم، ويشغل أعداءكم عن استئصالكم.
ولكنه في الوقت نفسه يضع قيداً بالغ الأهمية: «إلا من تعرض لهم.»
وهنا بيت القصيد. فالإمام يجعل عدم التعرض جزءاً من الوظيفة، ثم يرتب على الالتزام بها وعداً إلهياً بالحفظ.
وكأن الرواية تقول للمؤمنين: لا تجعلوا مشروعكم قائماً على استفزاز الآخرين، ولا على استدعاء الصدامات، ولا على تعريض الجماعة المؤمنة لما لا تطيق، فإذا التزمتم بهذا الطريق فإن الله سبحانه يتكفل بما لا تقدرون عليه، ويصرف عنكم من أسباب الاستئصال ما لا تستطيعون دفعه بقوتكم.
وفي مقابل هذه الطائفة من الروايات، نجد طائفة أخرى تحذر تحذيراً شديداً من الخروج عن هذا المسار.
فقد ورد عنهم (عليهم السلام): «من تعرض لسلطان جائر، فأصابته بلية، لم يؤجر عليها، ولم يرزق الصبر عليها.»
وهذه الرواية تحتاج إلى وقفة طويلة.
فإنها تعلمنا أن ليس كل بلاء أجراً، وليس كل مصيبة فضيلة.
فالبلاء الذي ينزل بالمؤمن وهو يؤدي الوظيفة التي رسمها الله له، يكون بلاءً مأجوراً، بل قد يكون سبباً لرفع درجاته.
أما إذا كان الإنسان هو الذي خرج عن الوظيفة، وسلك طريقاً لم يؤمر به، ثم جرّ على نفسه وعلى الجماعة المؤمنة البلاء، فإن الرواية لا تعده من أهل الأجر، بل تنفي عنه الأجر، بل وتنفي عنه حتى التوفيق للصبر الكامل على تلك المصيبة.
وهذا كلام شديد ينبغي أن نتأمله ملياً.
لأنه يعني أن المشكلة ليست في حصول البلاء نفسه، وإنما في الطريق الذي أوصل إلى البلاء.
ولهذا أكرر مرة أخرى: أنا لا أدعو إلى الرضا بالظالمين، ولا إلى إقرار سلاطين الجور على ظلمهم، ولا إلى التسليم بشرعية حكوماتهم.
فالقرآن الكريم، وأهل البيت (عليهم السلام)، هم أول من أعلن الحرب على الظلم، وأول من دعا إلى إقامة العدل.
ولكن إنكار الظلم شيء، واختيار الوسيلة التي أمرنا الله بها في التعامل معه شيء آخر.
فقد يكون الإنسان منكراً للظلم أشد الإنكار، ومع ذلك لا تكون وظيفته في ظرف معين هي الدخول في مواجهة عسكرية، وإنما حفظ الجماعة المؤمنة، وبناء الإنسان، وانتظار الوقت الذي يأذن الله فيه بقيام دولة الحق.
وهذا - فيما أفهمه من مجموع النصوص - هو المنهج الذي أراد أهل البيت (عليهم السلام) أن يربوا عليه شيعتهم في عصر الغيبة.
وبعد هذه المقدمات، أصل إلى النتيجة التي أردت أن ألفت النظر إليها.
إن الذي أعتقده ـ وأتحمل مسؤوليته العلمية أمام الله تعالى ـ هو أننا، نحن الشيعة، خلال العقود الخمسة الأخيرة، ابتعدنا ـ بدرجات متفاوتة ـ عن المسار العام الذي رسمه أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لشيعتهم في عصر الغيبة.
ولا أقصد بذلك أننا تركنا عقائدنا، أو ضعف ولاؤنا لأهل البيت (عليهم السلام)، أو رضينا بالظالمين، أو تخلينا عن مبادئنا.
وإنما أقصد أن الاستراتيجية العامة التي تحكم حركتنا قد تغيرت.
فبعد أن كان الخطاب الإمامي التقليدي يؤسس لفكرة الانتظار، وحفظ الجماعة المؤمنة، وعدم استنزافها، وتجنب استعداء العالم، وعدم الدخول في مواجهات لا تملك مقوماتها، انتقل الخطاب ـ عند كثيرين ـ إلى خطاب آخر، يقوم على صناعة المواجهة، وتوسيع دوائر الصراع، وتحويل الاشتباك الدائم إلى الحالة الطبيعية التي ينبغي أن يعيشها الشيعة في عصر الغيبة.
وأنا هنا لا أكتب تاريخاً سياسياً، ولا أقوم بتقويم جميع التجارب التي مرت بها الأمة، وإنما ألفت النظر إلى بعض الشعارات التي أرى أنها كانت تمثل هذا التحول.
فمثلاً بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وهو حدث كبير لا شك في أهميته، بدأ يبرز شعار تصدير الثورة.
ولست الآن بصدد مناقشة ما إذا كان هذا الشعار قد فُهم على وجهه الصحيح أو لا، وإنما الذي يعنيني هو الأثر الذي أحدثه في وعي العالم.
فقد أصبح كثير من الدول والشعوب ينظر إلى الشيعة على أنهم يحملون مشروعاً سياسياً عابراً للحدود، يسعى إلى تغيير الأنظمة القائمة، وأن انتماءهم النهائي ليس لأوطانهم، وإنما لهذا المشروع.
ولا أظن أن أحداً ينكر أن هذا الخطاب كان من أهم الأسباب التي دفعت كثيراً من الأنظمة إلى الارتياب بالشيعة، والتضييق عليهم، واتهامهم بأنهم طابور داخلي، أو امتداد لمشروع خارجي.
ثم جاء ـ في تقديري ـ تحول أخطر من ذلك.
وهو ربط هذا المشروع السياسي بالقضية المهدوية.
فبعد أن كانت عقيدة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) تمثل وعداً إلهياً عظيماً، يشترك في أصل الإيمان به أتباع الأديان والمذاهب المختلفة، باعتباره المخلّص الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، أصبحت هذه العقيدة ـ في بعض الخطابات ـ تقدم بوصفها مشروعاً سياسياً بدأ بالفعل، وأن الدولة القائمة هي نواة دولة الإمام، وأن توسيع نفوذها جزء من عملية التمهيد لظهوره.
وأرى أن هذا كان تحولاً بالغ الخطورة.
لأن عقيدة المهدي كانت، عبر القرون، مصدر أمل للمؤمنين، ولم تكن تشكل تهديداً مباشراً لأحد.
أما عندما تحولت إلى مشروع سياسي عملي، يسعى ـ كما فهم الآخرون ـ إلى تغيير الأنظمة القائمة، فقد أصبحت في نظر كثير من دول العالم مشروعاً يهدد وجودها.
وهكذا انتقلنا، من حيث نشعر أو لا نشعر، من خطاب الانتظار إلى خطاب التمهيد السياسي.
وهنا أعود إلى السؤال الذي أطرحه منذ بداية هذا المقال:
هل هذا هو المسار الذي رسمه أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لشيعتهم في عصر الغيبة؟
أنا لا أسأل هنا عن حسن النيات.
ولا أشك في أن كثيراً ممن تبنوا هذه الشعارات كانوا مخلصين، ويريدون خدمة الإسلام وأهل البيت (عليهم السلام).
ولكن حسن النية وحده لا يكفي.
وهذا هو الفارق بين الإخلاص والإصابة.
فقد يكون الإنسان مخلصاً، ولكنه لا يكون مصيباً في تشخيص الوظيفة.
ومن هنا فإن السؤال الذي أطرحه ليس سؤالاً سياسياً، بل سؤال فقهي وعقائدي:
هل ثبت بالنصوص أن الإمام المعصوم جعل وظيفة الشيعة في عصر الغيبة هي الانتقال من موقع الانتظار إلى موقع بناء مشروع عالمي يدخل في مواجهة مفتوحة مع القوى الكبرى في العالم؟
أم أن النصوص التي بأيدينا تقول شيئاً آخر؟
وهذا هو السؤال الذي أرى أنه ينبغي أن يسبق كل نقاش آخر.
ثم أضرب مثالاً آخر أراه أكثر وضوحاً في بيان مقصودي.
لقد أصبح من الشعارات المتداولة في العقود الأخيرة وصف الولايات المتحدة الأمريكية بأنها "الشيطان الأكبر"، ثم ترتب على ذلك أن أصبح من مقتضيات الالتزام بهذا الشعار - في الخطاب العام - الدخول في مواجهة مفتوحة معها.
وهنا أكرر السؤال نفسه، لأنه في نظري هو السؤال الجوهري:
من أين جاء هذا التوصيف ومن اين جاء هذا التكليف؟
أين نجد في كتاب الله، أو في سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو في روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، أن الشيعة، وهم يعيشون عصر الغيبة، وقد أخبروا بأنهم أقلية مستضعفة، مكلفون بأن يجعلوا أنفسهم في مواجهة مع أقوى دولة في العالم، وأعظم قوة عسكرية واقتصادية وسياسية عرفها العصر الحديث؟
إنني هنا لا أناقش أخلاق السياسة الأمريكية، ولا أبرر مواقفها، ولا أدافع عنها، فذلك كله خارج عن محل البحث.
وإنما أسأل عن وظيفتنا نحن.
فإن كون دولة ما ظالمة لا يستلزم أن تكون وظيفتي الشرعية هي إعلان الحرب عليها.
والفرق كبير بين الأمرين.
إِنَّ فِرْعَوْنَ [لِمّا] عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ .. قال الله تعالى لموسى وهارون (عليهما السلام): اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى.
قولاً ليّناً.
ثم لَمّا لم تنفع الدبلوماسية لم يكن القرار الإلهي مواجهة بطولية تودي بموسى وقومه شهداء بل هجرة جماعية لبني إسرائيل في طريق مسدود يكون فيه البحر من أمامهم والعدو من وراءهم اعتماداً على أنهم يسيرون في الطريق الذي رسمه لهم حجة الله موسى (عليه السلام) واعتماداً على الوعد الإلهي بأن ذلك هو الذي سينجيهم وسيهلك فرعون وجيشه في آيات معروفة لا حاجة إلى ذكرها.
ثم اضرب مثالاً ثالثاً، لا يقل أهمية، وهو القضية الفلسطينية.
ولا أشك لحظة في أن فلسطين أرض محتلة، وأن الاحتلال الإسرائيلي احتلال غاصب، وأن الوقوف مع المظلومين قيمة قرآنية وإنسانية لا ينازع فيها مؤمن.
ولكن يبقى السؤال نفسه:
هل جعل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) حمل مثل هذه القضايا العالمية الكبرى بكل أعبائها العسكرية والسياسية والاقتصادية، من وظيفة الشيعة في عصر الغيبة؟
أم أن مثل هذه القضايا العامة التي تعني الأمة الإسلامية بأجمعها، بل المجتمع الدولي كله، ليست تكليفاً ألقي على عاتق أقلية شيعية محدودة العدد والإمكانات؟
إن الذي وقع - في تقديري - أن الخطاب السياسي جعل الشيعة في واجهة هذا الصراع، حتى بدا وكأن قضية فلسطين هي قضية الشيعة خاصة.
بل وصل الخطاب إلى حد إعلان أن إزالة الكيان الغاصب هو اجب شرعي على كل شيعي يعتقد بالمهدي (عجل الله فرجه الشريف).
ولا أريد هنا مناقشة مضمون هذا الشعار من حيث الأمنيات أو العدالة، وإنما أسأل مرة أخرى:
من الذي كُلِّف بهذا التكليف؟
هل كلف الله بذلك هذه الأقلية الشيعية المنتشرة في لبنان والعراق والخليج وسائر البلدان؟
وهل أعطى الإمام المعصوم شيعته هذا التكليف في عصر الغيبة؟
أم أننا حملنا أنفسنا وظيفة لم نجد لها نصاً في كلمات أهل البيت (عليهم السلام)؟
إنني لا أستخف بالتضحيات التي بذلت، ولا أقلل من شأن الشهداء، ولا أطعن في نيات أحد، فكم من إنسان بلغ أعلى مراتب الإخلاص وهو يظن أنه يؤدي تكليفه.
لكن الإخلاص وحده لا يكفي.
فقد يكون الإنسان مخلصاً، ومع ذلك يخطئ في تشخيص الوظيفة.
وأحسب أن هذا هو السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا بكل شجاعة.
ولعل من المؤشرات التي تستحق التأمل أن القضية الفلسطينية نفسها، بعدما تحمل الشيعة في سبيلها كل هذه العقود التضحيات الهائلة، لم تعد اليوم محوراً أساسياً في كثير من المفاوضات الإقليمية والدولية، بل ولم تعد مطروحة إلا على مستوى خطابات شعبوية خجولة.
ولا أذكر ذلك شماتةً، ولا تقليلاً من قيمة تلك التضحيات، وإنما لأقول إن من حقنا، بل من واجبنا، أن نراجع المسار، وأن نسأل:
لاجل ماذا بذلنا كل تلك الدماء وتحملنا كل تلك التضحيات؟ هل حمّلنا أنفسنا ما لم يحملنا الله ولا أولياؤه إياه؟
إنني لا أزعم أن جميع ما أصاب الشيعة في هذه السنوات سببه هذا التحول وحده، فالأحداث الكبرى لا تفسر بسبب واحد.
ولكنني لا أستبعد - بل أميل إلى الاعتقاد - أن جانباً مهماً مما نعيشه اليوم من حصار، واستنزاف، وحروب، وضغوط غير مسبوقة، هو ثمرة طبيعية، وربما مصداق لبعض التحذيرات الواردة في روايات أهل البيت (عليهم السلام) من مغبة الخروج عن المسار الذي رسموه لشيعتهم في عصر الغيبة.
ذلك أن الروايات لم تعدنا بالحفظ لمجرد انتسابنا إلى التشيع، وإنما وعدتنا بالحفظ إذا أدينا الوظيفة التي أمرنا بها الإمام.
وهذه نقطة أراها من أهم ما ينبغي أن يعاد التفكير فيه اليوم.
وأخيراً...
أدرك أن ما ذكرته في هذه الكلمات لا يمثل إلا جزءاً يسيراً جداً مما أعتقده في هذا الموضوع.
ولو أردت أن أستوعب جميع أدلته من القرآن الكريم، ومن روايات أهل البيت (عليهم السلام)، ومن سيرة الأئمة، ومن سيرة خواص أصحابهم، ومن الشواهد التاريخية، ومن التجارب التي مرت بها الطائفة عبر القرون، لاحتجت إلى صفحات كثيرة، بل لعلها تحتاج إلى كتاب مستقل، وربما إلى أكثر من كتاب.
ولكن هذا ليس هو المقصود من منشورات الفيسبوك.
ولذلك أرجو أن لا تُقرأ هذه الكلمات على أنها دعوة إلى إثارة الفتنة بين المؤمنين، أو إلى التقليل من شأن التضحيات، أو إلى الطعن في نيات العاملين، فإني أعلم أن كثيراً منهم كانوا، وما يزالون، يتحركون بدافع الإيمان والإخلاص، وابتغاء مرضاة الله تعالى.
وليس الكلام في النيات.
وإنما الكلام في تشخيص الوظيفة.
فقد يكون الإنسان في أعلى درجات الإخلاص، ولكنه يخطئ في تشخيص ما أراده الله منه.
ولهذا كان أئمة أهل البيت (عليهم السلام) يعلمون شيعتهم أن الميزان ليس مجرد الحماسة، ولا مجرد صدق النية، وإنما إصابة التكليف.
ومن هنا فإنني لا أدعو إلى التراجع عن مبادئنا، ولا إلى الرضا بالظلم، ولا إلى الاستسلام للباطل، ولا إلى التخلي عن نصرة المظلومين.
فكل ذلك مما لا يقبله دين، ولا يرضى به مؤمن.
ولكنني أدعو إلى أمر آخر.
أدعو إلى أن نعيد قراءة تراث أهل البيت (عليهم السلام) في باب الغيبة بعيداً عن تأثيرات الواقع السياسي، وبعيداً عن الشعارات التي نشأت في العقود الأخيرة.
أدعو إلى أن نسأل أنفسنا بكل صدق:
هل الوظيفة التي نؤديها اليوم هي نفسها الوظيفة التي رسمها لنا الإمام المعصوم؟
فإن كانت هي، فالحمد لله، ولنمض فيها بثبات.
وإن لم تكن هي، فلا ينبغي أن يمنعنا الاعتزاز بالتجارب السابقة، ولا كثرة التضحيات، ولا رهبة الاعتراف بالمراجعة، من أن نصحح المسار.
فإن الشجاعة الحقيقية ليست في أن يصر الإنسان على الطريق لأنه سلكه زمناً طويلاً، وإنما في أن يعود إلى الدليل متى ظهر له أنه أبتعد عنه.
هذا هو الدرس الذي أظن أننا بحاجة إلى استعادته اليوم.
ولعل أعظم ما يحتاجه الشيعة اليوم ليس مزيداً من الحماسة، وإنما مزيداً من البصيرة.
وليس مزيداً من الشعارات، وإنما مزيداً من الرجوع إلى النصوص.
وليس مزيداً من الانفعال، وإنما مزيداً من التأمل في تراث أئمتنا (عليهم السلام)، الذين لم يتركوا شيعتهم هملاً، بل رسموا لهم طريقهم بدقة، وبينوا لهم وظيفة كل مرحلة، وأقاموا عليهم الحجة إلى قيام قائم آل محمد (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
أسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقاً فيرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً فيرزقنا اجتنابه، وأن يجعلنا من المنتظرين الصادقين، الذين يؤدون وظيفة زمانهم كما أرادها الله ورسوله وأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين).
ولقد كتبت هذه الكلمات وأنا أعلم يقيناً أنها ستجر عليّ كثيراً من النقد، وربما الاتهام، وربما التخوين، وربما سوء الظن، ولا أستبعد شيئاً من ذلك وقد اعتدته.
ولكنني أعتقد أن هذه المرحلة من أخطر المراحل التي مر بها التشيع في تاريخه الحديث، وأن السكوت عما أراه حقاً ليس خياراً أستطيع أن أختاره.
فقد أخطئ في اجتهادي، وقد أصيب، ولكنني لا أريد أن ألقى الله تعالى وقد كتمت ما أعتقد أن عليَّ بيانه، ولا سيما وأنا أتحمل مسؤولية العلم، وأنتسب إلى خدمة مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
ولذلك فإنني لا أكتب طلباً لجدل، ولا سعياً إلى شهرة، ولا رغبة في مخالفة أحد، وإنما أكتب رجاء أن أكون قد أديت شيئاً من وظيفتي الشرعية، حتى لا أسأل بين يدي الله تعالى: لماذا سكتَّ حين كان الكلام واجباً وحين كان التبيين جهاداً؟
