من الطريف أن الشعار الذي شاع على الألسن في العقود الأخيرة: «كلُّ يومٍ عاشوراء، وكلُّ أرضٍ كربلاء» يكاد يلتقي لفظاً مع ما قاله الشاعر الحسيني الكبير الشيخ عبد الحسين الأعسم (ت 1244هـ): يا وقعةَ الطفِّ كم أوقدتِ في كبدي وطيسَ حزنٍ ليوم الحشرِ مسجورا كأنَّ كلَّ مكانٍ كربلاءُ لدى عيني وكلَّ زمانٍ يومُ عاشورا
غير أن بين المعنى الذي أراده الشاعر، والمعنى الذي استُعمل فيه هذا الشعار في الأزمنة المتأخرة، بوناً بعيداً.
فالشيخ الأعسم لا يؤسس لنظرية في الحركة، ولا يرسم مشروعاً سياسياً، ولا يقرر وظيفة شرعية عامة للناس في كل عصر ومصر، وإنما يصور حالة وجدانية يعيشها المؤمن الذي استوطنت فاجعة الطف قلبه، حتى غدت لا تفارق وجدانه.
إنه يريد أن يقول: إن كربلاء لم تعد عنده بقعة جغرافية محدودة، ولا عاشوراء يوماً انقضى في سنة إحدى وستين للهجرة، بل صارتا حاضرتين في ضميره؛ فحيثما اتجه رأى كربلاء بعين قلبه، ومهما تعاقبت الأيام استحضر عاشوراء في وجدانه.
إنه حضور الذكرى، لا حضور الواقعة، واستمرار الحزن، لا تكرار التكليف، ودوام الاستحضار الوجداني، لا دوام الظرف الزماني والمكاني.
أما الشعار الذي استُعمل في العصر الحديث فقد أريد به ـ في كثير من الأحيان ـ معنى آخر مختلفاً تماماً، وهو أن يعيش الإنسان في كل زمان ومكان الموقف الذي وقفه الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء، وكأن كل ظرف هو ظرف كربلاء، وكل زمان هو زمان عاشوراء، وكل مواجهة هي مواجهة الحسين (عليه السلام).
وهذا الفهم لا ينسجم مع منطق التاريخ، ولا مع منطق الشريعة، ولا مع سيرة أهل البيت (عليهم السلام)، ولا حتى مع سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) نفسه.
فإن الموقف الذي اتخذه الحسين (عليه السلام) في كربلاء لم يكن موقفاً مجرداً عن الزمان والظروف، وإنما كان استجابة لتكليف إلهي خاص فرضته ملابسات استثنائية.
فقد عاش الإمام الحسين (عليه السلام) بعد استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام) في ظل إمامة أخيه الحسن (عليه السلام) ملتزماً بخطه ونهجه، ثم عاش بعد شهادته قرابة عشر سنوات في عهد معاوية ملتزماً بالصلح الذي أبرمه الإمام الحسن (عليه السلام)، فلم ينقضه، ولم يرفع راية الحرب، ولم يدعُ إلى مواجهة عسكرية، مع أن الظلم كان قائماً، والانحراف كان موجوداً، والدولة الأموية كانت تحكم الأمة.
ولو كان الموقف العاشورائي مطلوباً في كل ظرف، لكان الحسين (عليه السلام) أول من مارسه في تلك السنوات.
فالذي تغيّر لم يكن الحسين (عليه السلام)، وإنما تغيّرت الظروف.
فلما هلك معاوية، وأراد يزيد أن ينتزع من الحسين (عليه السلام) بيعة تمنحه الشرعية الدينية، وتحول الأمر إلى محاولة لإضفاء الشرعية على الانحراف باسم الإسلام، صار السكوت تضييعاً للدين، وأصبحت المواجهة هي الوظيفة الإلهية، وكان الدم الحسيني هو الثمن الذي لا بد من بذله لحفظ الرسالة من التحريف.
ومن ثم كانت كربلاء. ومن ثم كانت عاشوراء. ومن ثم كان ذلك التكليف الذي لم يكن يقوم به إلا الحسين (عليه السلام).
أما أن تتحول تلك الواقعة الاستثنائية إلى قالب ثابت يفرض على جميع الأزمنة والأمكنة، بحيث تصبح هي الوظيفة الدائمة والخيار المستمر، فهذا ما لا يدل عليه التاريخ، ولا تؤيده سيرة الأئمة (عليهم السلام)، ولا ينسجم مع اختلاف الأزمنة والأحوال والوظائف.
إن الذي يتكرر في كل زمان ليس صورة الموقف الحسيني، وإنما القيم الحسينية.
فالإخلاص لله، والثبات على الحق، ورفض الباطل، والتسليم للتكليف الإلهي... هذه هي الثوابت.
أما كيفية تجسيدها فتختلف باختلاف الظروف.
فتارة تكون في الصلح، كما كانت عند الإمام الحسن (عليه السلام).
وتارة تكون في الصبر والكف والتقية، كما كان شأن أكثر الأئمة (عليهم السلام)، بل وكما كان شأن الحسين (عليه السلام) نفسه في مراحل طويلة من حياته.
وتارة تكون في المواجهة وبذل النفس، كما كانت في كربلاء.
فالجامع بين هذه المواقف ليس صورة واحدة، وإنما العبودية لله، والانقياد لوظيفة الوقت حيث دارت.
وليس معنى خلود عاشوراء أن تتكرر صورتها في كل عصر، بل أن تبقى قيمها حية في كل عصر.
وليس معنى امتداد كربلاء أن تتحول كل بقعة إلى ساحة قتال، بل أن يبقى المؤمن مستلهماً منها معنى الإخلاص لله، والتسليم المطلق لأمره.
فالاقتداء بالحسين (عليه السلام) لا يكون بتكرار صورة فعله دائماً، وإنما بالسير على المنهج الذي سار عليه؛ وهو طاعة الله تعالى في كل ظرف، كيفما اقتضى التكليف.
فروح عاشوراء ليست خصوص السيف، ولا خصوص الشهادة، وإنما الاستعداد لتقديم كل شيء في سبيل الله متى كان ذلك هو أمر الله.
على أن ههنا ملاحظة أخرى لا تقل أهمية
فالمتتبع للروايات وكلمات أهل البيت (عليهم السلام) يجد أنهم لم يرفعوا شعار: «كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء»، وإنما أكدوا ـ على العكس من ذلك ـ فرادة عاشوراء وتميز كربلاء. فقد ورد عنهم: «لا يوم كيومك يا أبا عبد الله»، واستفاضت كلماتهم في بيان أنه لا مصيبة كمصيبته، ولا أصحاب كأصحابه، وأن لأرض كربلاء من الخصوصية والفضل ما ليس لسائر البقاع.
بل روي في الأخبار أن أرض مكة ـ مع عظيم شرفها ـ لما تفاخرت على سائر الأرضين بأن الله جعل فيها بيته، جاءها الخطاب بما يدل على فضل أرض كربلاء عليها. فخطاب أهل البيت (عليهم السلام) كان يرسخ دائماً الاستثناء، لا التعميم، ويؤكد الفرادة، لا التكرار، ويجعل واقعة الطف حدثاً لا يقاس به غيره، لا حادثة تتكرر في كل زمان ومكان.
ومن هنا يبرز سؤال علمي جدير بالتأمل:
إذا كان أهل البيت (عليهم السلام) قد حرصوا على ترسيخ خصوصية عاشوراء وكربلاء، وجعلوا ذلك جزءاً من خطابهم العقدي والتربوي، فلماذا نستبدل بالشعارات التي علمونا إياها شعاراً حادثاً، ثم نقضي الجهد في تأويله وصرفه عن ظاهره حتى ينسجم مع مبادئ مذهبهم؟!
إن الأولى بأتباعهم أن يلتزموا بالألفاظ التي صدرت عنهم، وأن يحملوا القضية بالطريقة التي أرادوا لها أن تُحمل، لا أن يجعلوا شعاراً لم يرد عنهم أصلاً محوراً للثقافة الحسينية.
فالخلود الحقيقي لعاشوراء لا يكون بتعميم صورتها على جميع الأزمنة والأمكنة، ولا بجعل كل ظرف ظرف مواجهة، وإنما بحفظ موقعها الاستثنائي الذي أراده أهل البيت (عليهم السلام)، واستلهام قيمها الخالدة، والانقياد ـ كما انقاد الحسين (عليه السلام) ـ للتكليف الإلهي حيث دار.
فليس كل يوم عاشوراء، ولا كل أرض كربلاء؛ وإنما كل يوم ميدان لطاعة الله، وكل أرض موضع لأداء الوظيفة التي أرادها الله لعباده.
ذلك هو المنهج الذي سار عليه الحسن في صلحه، والحسين في صبره قبل كربلاء، والحسين في شهادته يوم عاشوراء، وسائر الأئمة (عليهم السلام) في مختلف مواقفهم.
فالمدار في مدرسة أهل البيت ليس تكرار صورة كربلاء، وإنما تحقيق العبودية لله تعالى في كل ظرف بما يقتضيه ذلك الظرف من صلح أو صبر أو تقية أو جهاد أو شهادة.
وهذا هو الدرس الخالد الذي ينبغي أن يبقى حاضراً في كل يوم، وفي كل أرض.
