تأمل في منهج القرآن وأهل البيت (عليهم السلام)

من يتأمل في القرآن الكريم، وفي سيرة الأنبياء وأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، يلحظ أن اهتمام الوحي لم ينصرف إلى حفظ الدين بوصفه مجموعةً من العقائد والأحكام فحسب، بل انصرف أيضاً إلى حفظ الجماعة الحاملة للدين.

فالدين لا يعيش في الفراغ، وإنما يحمله رجال ونساء، ومجتمع، وجيل يتوارثه جيلاً بعد جيل.

فإذا أُبيدت الجماعة المؤمنة، أو استُؤصلت، أو حُوصرت حتى فقدت قدرتها على حمل رسالتها، تعرض الدين نفسه لخطر الانحسار والضياع.

ومن هنا، لم يقتصر القرآن على الدعوة إلى الصبر والثبات والتوكل، بل رسم أيضاً منهجاً في إدارة الأقلية المؤمنة حين تكون مستهدفة؛ منهجاً يقوم على الجمع بين صدق التوكل، وحسن الأخذ بالأسباب، وبين الثبات على المبادئ، والحكمة في إدارة الجماعة.

فليس كل ما يصلح لجماعة مستقرة تعيش في ظل دولة تحميها يصلح لجماعة تعيش تحت رقابة سلطة تستهدفها.

وليس من الحكمة أن تُدار الأقلية المستضعفة بالطريقة نفسها التي تُدار بها الأكثرية المتمكنة.

ولكل ظرف أحكامه، ولكل مرحلة وسائلها، وقد جرت سنة العقلاء، بل وسنة الأنبياء، على مراعاة هذه الحقيقة.

ولعل أول مشهد يلفت النظر في هذا الباب، هو وصية يعقوب (عليه السلام) لبنيه حين توجهوا إلى مصر، فقال لهم:

«﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾.»

ولو كان المقصود مجرد الدخول إلى المدينة، لما كان لاختيار الأبواب كبير أثر. ولكن الظاهر أن يعقوب (عليه السلام) لم يُرد أن يدخل أبناؤه بوصفهم جماعة واحدة، وعائلة واحدة، وكتلة واحدة تسترعي انتباه الناس، وإنما أراد أن يظهر كل واحد منهم بمظهر الفرد المستقل، فلا يلتفت الناظر إلى أن هؤلاء الإخوة ينتمون إلى بيت واحد، ويتحركون لهدف واحد. لقد أراد أن يخفي هوية الجماعة، لا أن يخفي أفرادها.

ثم إنه، حتى لا يتوهم أحد أن هذا الاحتياط ينافي التوكل، قال مباشرة:

«﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾.»

فالتوكل لا يعني تعطيل الأسباب، كما أن الإيمان بالله لا يلغي مقتضيات الحكمة، بل يقتضيها.

وتتكرر الفكرة نفسها في قصة أصحاب الكهف.

فالفتية جميعاً كانوا محتاجين إلى الطعام، لكنهم لم يخرجوا جميعاً، ولم يجعلوا جماعتهم ظاهرة للناس، بل قال بعضهم لبعض:

«﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلْيَتَلَطَّفْ، وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾.»

والتعبير القرآني في غاية الدقة.

فلم يقل: ولا يَشعرنّ بكَ أحداً.

بل قال:

«﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾.»

فالخطر لم يكن في انكشاف الفرد، وإنما في انكشاف الجماعة. ولذلك علل القرآن هذا الاحتياط بقوله:

«﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ، أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ، وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾.»

إن الذي أراد القرآن حمايته هنا ليس شخصاً بعينه، وإنما الجماعة المؤمنة بأسرها.

بل حتى في قصة موسى (عليه السلام)، حين تدخلت القدرة الإلهية لإنقاذ بني إسرائيل، لا نجد – في فهم روايات أهل البيت (عليهم السلام) – أن الجماعة عبرت البحر في ممر واحد. فالقرآن يقول:

«﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾،»

ويقول في موضع آخر:

«﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾.»

وقد فسرت روايات أهل البيت (عليهم السلام) هذه الآيات بأن البحر انشق إلى طرق متعددة، حتى روي أنها كانت اثني عشر طريقاً بعدد أسباط بني إسرائيل، وجعل الله بين تلك الطرق كوىً ومنافذ، يرى أهل كل طريق من خلالها إخوانهم في الطرق الأخرى، حتى لا تستوحش كل جماعة بانفرادها.

وليس المقصود هنا إثبات تفاصيل هذه الروايات، وإنما الالتفات إلى الدلالة التي تحملها؛ فإنها تكشف عن أن الحكمة الإلهية لم تُلغِ الأخذ بالأسباب، حتى في مورد المعجزة.

فبحسب مجرى الأسباب الطبيعية، يكون توزيع الجماعة على أكثر من مسار أقرب إلى حفظها من جمعها في مسار واحد؛ إذ لو أدرك العدو سالكي أحد المسارات، أو تعذر عليهم العبور، لم يستلزم ذلك هلاك الجميع، بل بقيت سائر المسارات مفتوحة، وبقيت فرصة النجاة قائمة.

ومع ذلك، لم تترك كل جماعة تشعر بالعزلة أو القلق، بل جعل الله بينها منافذ يرى بعضها بعضاً، فاجتمع في هذا التدبير أمران: تحقيق مقتضى الحكمة في حفظ الجماعة، وتطييب نفوس أفرادها في الوقت نفسه.

إن الجامع بين هذه المشاهد القرآنية واحد؛ فالمطلوب ليس مجرد نجاة الأفراد، بل حفظ الجماعة المؤمنة، وعدم تحويلها إلى هدف واحد يسهل استئصاله.

ومن هنا، لا يبدو غريباً أن نجد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) يسيرون على النهج نفسه في إدارتهم للمجتمع الشيعي، حين كان يعيش تحت أعين السلطات الأموية والعباسية.

يروي زرارة أنه رأى الإمام الباقر (عليه السلام) يجيب السائلين عن المسألة الواحدة بأجوبة مختلفة، فلما استغرب ذلك، قال له الإمام:

««إن هذا خير لنا وأبقى لنا، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا، ولكان أقلَّ لبقائنا وبقائكم.»»

ثم يقول زرارة: قلت للإمام الصادق (عليه السلام):

««شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا، وهم يخرجون من عندكم مختلفين.»»

قال:

««فأجابني بمثل جواب أبيه.»»

وفي رواية أخرى، لما قيل للإمام الصادق عليه السلام:

««ليس شيء أشد علي من اختلاف أصحابنا.»»

قال:

««ذلك من قِبَلي.»»

وفي رواية ثالثة عن الإمام الكاظم عليه السلام:

««أنا فعلت ذلك بكم، لو اجتمعتم على أمر واحد لأخذ برقابكم.»»

وهذه النصوص، في تقديري، لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها روايات في اختلاف الفتوى فحسب، بل بوصفها نصوصاً في إدارة الجماعة المؤمنة.

فالإمام لا يقول إن الاختلاف خير في نفسه، ولا يدعو إلى التنازع، ولا يهون من شأن وحدة الكلمة في العقيدة والثوابت.

وإنما يكشف عن حقيقة أخرى، وهي أن تحويل الجماعة كلها إلى صورة واحدة، وموقف واحد، ومسار واحد، قد يجعلها هدفاً واحداً يسهل على السلطان أن يستأصلها.

ومن هنا تتضح دقة تعبير الإمام:

««لو اجتمعتم على أمر واحد...»»

فهو لم يقل: لو اتفقتم على حكم فقهي واحد، أو على رأي علمي واحد، وإنما اختار تعبيراً أوسع، وهو «أمر واحد»؛ وكأنه يشير إلى كل ما من شأنه أن يجعل الجماعة تتحرك في إطار واحد، بحيث إذا ضُرب ذلك الإطار، ضُربت الجماعة كلها معه.

ولهذا أيضاً قال:

««إن هذا خير لنا وأبقى لنا.»»

فالمعيار الذي يحكم هذه السياسة ليس حب الاختلاف، وإنما حفظ الجماعة.

ومن هنا، فإن من الخطأ أن تُفهم هذه الروايات على أنها دعوة إلى الانقسام أو الفوضى، كما أنه من الخطأ، في المقابل، أن يُتصور أن المطلوب في كل زمان ومكان هو أن تنصهر الطائفة كلها في مشروع واحد، أو تنظيم واحد، أو رؤية واحدة لإدارة الشأن العام، بحيث يصبح نجاح ذلك المشروع نجاحاً للطائفة كلها، وفشله فشلاً لها كلها، وعداؤه عداءً لها كلها.

إن وحدة العقيدة، ووحدة الانتماء إلى أهل البيت (عليهم السلام)، ووحدة الثوابت الكبرى، أمر لا يقوم المذهب إلا به.

أما الوسائل، والاجتهادات، وتشخيص المصالح، وأساليب العمل، فهي بطبيعتها تقبل التعدد، بل قد يكون هذا التعدد - إذا بقي منضبطاً بأصول الدين وأخلاقه - أحد أسباب بقاء الجماعة وصيانتها.

وهنا تبرز حقيقة لا تقل أهمية عما تقدم.

فإن الاتجاه الذي يكتب الله له النجاح في مرحلة من المراحل، ويمنحه حضوراً أوسع أو قدرة أكبر على التأثير، ينبغي أن يكون أكثر استحضاراً لهذه الحكمة، لا أقل استحضاراً لها.

فإن الشعور بالقوة قد يغري بعض الحركات بأن تتصور أنها أصبحت الممثل الوحيد للطائفة، وأن من حقها أن تفرض اجتهادها على الجميع، وأن تُلزم أبناء الطائفة كلهم بالتحرك في إطار مشروعها، وأن تنظر إلى كل اجتهاد آخر بعين الريبة، أو تعمل على إقصائه، أو إسكات صوته، أو تضييق دائرته، أو محاصرته بتهم التخوين والعمالة والتفريط.

غير أن هذه الذهنية، مهما حسنت نيات أصحابها، لا تنسجم مع الحكمة التي تكشف عنها النصوص المتقدمة.

فإن المشروع الناجح اليوم قد يتعثر غداً، والاتجاه القوي في مرحلة قد يصبح هو نفسه هدفاً للاستهداف في مرحلة أخرى.

فإذا كان قد عمل على إلغاء سائر الاجتهادات، أو تجفيف منابعها، أو إسكات أصواتها، فإنه لن يجد عندئذٍ ظهيراً يحفظ للطائفة توازنها، ولا غطاءً يقيها أن تُستهدف كلها باستهدافه.

إن كل مشروع مخلص ينبغي أن يدرك أن بقاءه ليس منفصلاً عن بقاء الطائفة، وأن قوته الحقيقية لا تكمن في ابتلاع جميع الاتجاهات الأخرى، وإنما في أن يبقى جزءاً من جماعة مؤمنة واسعة، متعددة الاجتهادات، موحدة في عقيدتها وثوابتها.

فحين تتسع الطائفة للاجتهادات المشروعة، تصبح أقوى من أن تُختزل في تجربة واحدة، وأعصى من أن يُقضى عليها بإسقاط مشروع واحد.

فالطائفة أكبر من أي مشروع، وأوسع من أي تنظيم، وأبقى من أي تجربة سياسية أو اجتماعية.

ومن حق كل مشروع أن يعمل في خدمتها، ولكن ليس من حقه أن يحتكرها، أو أن يحتكر الحديث باسمها، أو أن يصادر سائر الاجتهادات التي تعمل ضمن ثوابتها العامة.

ولعل هذا هو الدرس الذي يجمع بين وصية يعقوب، واحتياط أصحاب الكهف، وتدبير موسى، وسياسة أئمة أهل البيت عليهم السلام؛ وهو أن حفظ الأقلية المؤمنة حين تكون مستهدفة ليس مسؤولية الشجاعة وحدها، بل مسؤولية الحكمة أيضاً.

وأن من أعظم صور هذه الحكمة ألا تتحول الجماعة كلها إلى هدف واحد، يمكن أن يضيع بضياعه كل ما تحمله من دين ورسالة.

إن المشاريع تنشأ، وتقوى، وقد تضعف أو تنتهي، أما الطائفة فهي الوعاء الذي يحفظ الدين ويحمل رسالته عبر الأجيال.

ولذلك ينبغي أن تبقى أكبر من جميع مشاريعها، وأوسع من جميع تنظيماتها، وأرحب من جميع اجتهاداتها.

فليس من الحكمة أن يتحول كل مشروع إلى طائفة، وإنما الحكمة أن تبقى الطائفة أوسع من جميع مشاريعها، وأن تبقى جميع المشاريع في خدمة الطائفة، لا أن تتحول الطائفة إلى أداة في خدمة مشروع واحد.