[تمهيد]
في المقال السابق للأستاذ علي الحداد المعنون بـ«التشيع الإمامي والتشيع الزيدي: خلاف في الرؤية وتأثير مستمر إلى يومنا هذا»، جرى تسليط الضوء على واحد من أهم المفاصل الفكرية في تاريخ التشيع، وهو الاختلاف في تشخيص وظيفة الإمام والأمة في زمن هيمنة الظلم والانحراف.
وقد بيّن المقال أن الخلاف الذي ظهر بين الإمام الباقر (عليه السلام) وأخيه زيد الشهيد لم يكن خلافاً في أصل رفض الظلم أو ضرورة إقامة الحق، بل كان خلافاً في فهم الطريق المؤدي إلى ذلك، وفي تشخيص المرحلة التاريخية ومتطلبات التغيير وشروطه الموضوعية.
فبينما كان المنهج الإمامي يركز على بناء الإنسان والعقيدة والوعي بوصفها المقدمات الضرورية لأي مشروع إلهي ناجح، كانت الرؤية الزيدية تميل إلى جعل الخروج والمواجهة المباشرة محوراً أساسياً في عملية الإصلاح.
غير أن هذا البحث، على أهميته، يثير سؤالاً آخر لا يقل أهمية عنه وهو:
إذا كان الأئمة (عليهم السلام) قد رفضوا اختزال الإصلاح في مجرد الثورة والخروج، فما هي المعايير العملية التي وضعوها لأتباعهم عند ظهور الدعاة إلى الخروج والقيام بالعمل العسكري المسلح لأجل الإصلاح والتغيير؟
وكيف ينبغي للشيعة أن يميزوا بين الراية التي يجوز الالتحاق بها والراية التي لا يجوز اتباعها؟
وهل يكفي صلاح الداعي وشجاعته وانتسابه إلى أهل البيت (عليهم السلام) لإثبات مشروعية حركته؟
إن الروايتين اللتين سننقلهما عن الإمام الصادق (عليه السلام) تقدمان جواباً واضحاً عن هذا السؤال المهم، إذ لا تكتفي اولاهما بتقرير الأصول النظرية التي عرضها الإمام الباقر (عليه السلام)، بل تنتقل إلى بيان الضوابط التفصيلية التي ينبغي اعتمادها في تقييم دعوات الخروج.
كما تقدم ثانيتهما لنا نموذجاً عملياً لتطبيق تلك الضوابط في موقف محمد بن النعمان المعروف بمؤمن الطاق من دعوة زيد الشهيد.
ومن هنا فإن مقالي هذا لا يمثل بحثاً مستقلاً عن المقال السابق للاستاذ علي الحداد، بقدر ما يمثل استكمالاً له وامتداداً طبيعياً للرؤية التي أصل لها.
فقد حاولت في هذا المقال أن انتقل من بيان الفارق المنهجي بين الاتجاه الإمامي والاتجاه الزيدي الذي أصل له مقال الحداد إلى بيان الكيفية التي أراد الأئمة (عليهم السلام) من شيعتهم أن يتعاملوا بها مع الرايات والحركات والدعوات التي ترفع شعار الإصلاح والتغيير قبل قيام القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
وعليه فيمكن أن يجعل مقالي هذا بمثابة تتمة واستكمال لما طرحه الاستاذ علي الحداد، لأنه ينتقل من بيان أصل المنهج الإمامي في التعامل مع مشاريع الخروج والثورة، إلى بيان الموازين العملية التي وضعها الأئمة (عليهم السلام) للشيعة في كيفية تقييم تلك الدعوات وتمييز المشروع الحق من المشروع الباطل أو غير الناضج.
واذا اتضحت هذه المقدمة أقول:
بعد التأمل في الحوار الذي دار بين الإمام الباقر (عليه السلام) وأخيه زيد الشهيد، والذي يكشف عن اختلاف عميق في تشخيص طريق الإصلاح والتغيير، قد يثور سؤال مهم:
إذا كان الأئمة (عليهم السلام) لا يرون صحة كل حركة خروج أو مواجهة، فكيف يعرف الشيعة الموقف الصحيح عندما ترفع الرايات وتكثر الدعوات وتتشابك الشعارات؟
هل يكفي أن يكون الداعي من آل البيت (عليهم السلام)؟
وهل يكفي أن يرفع شعار محاربة الظلم؟
وهل يكفي صدقه وصلاحه وشجاعته؟
إن المتتبع للروايات يجد أن الإمام الصادق (عليه السلام) لم يترك الشيعة أمام هذه الأسئلة دون ضوابط، بل وضع لهم موازين دقيقة يمكن من خلالها تشخيص الموقف الشرعي عند ظهور الدعاة إلى الخروج.
ومن أوضح النصوص في ذلك ما رواه ثقة الإسلام الكليني (رحمه الله) في الكافي الشريف في صحيح عيص بن القاسم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:
(عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له وانظروا لأنفسكم.
فوالله إن الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي، فإذا وجد رجلا هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه ويجئ بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها.
والله لو كانت لأحدكم نفسان يقاتل بواحدة يجرب بها ثم كانت الأخرى باقية يعمل على ما قد استبان لها.
ولكن له نفس واحدة إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة.
فأنتم أحق أن تختاروا لأنفسكم.
إن أتاكم آت منا فانظروا على أي شئ تخرجون، ولا تقولوا خرج زيد، فان زيدا كان عالما وكان صدوقا ولم يدعكم إلى نفسه، وإنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله) ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه، إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه.
فالخارج منا اليوم إلى اي شئ يدعوكم؟ إلى الرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
فنحن نشهدكم أنا لسنا نرضى به.
وهو يعصينا اليوم وليس معه أحد، وهو إذا كانت الرايات والألوية أجدر أن لا يسمع منا.
إلا من اجتمعت بنو فاطمة معه، فوالله ما صاحبكم إلا من اجتمعوا عليه.
إذا كان رجب فاقبلوا على اسم الله، وإن أحببتم أن تتأخروا إلى شعبان فلا ضير، وإن أحببتم أن تصوموا في أهاليكم فلعل ذلك يكون أقوى لكم، وكفاكم بالسفياني علامة).
وهذه الرواية تعد من أهم النصوص التي رسمت منهج الإمامية في التعامل مع الحركات السياسية والعسكرية قبل الظهور، حيث بينت:
أولاً: مسؤولية التشخيص وعدم الانسياق وراء العواطف.
حيث افتتح الإمام (عليه السلام) حديثه بقوله:
«عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له وانظروا لأنفسكم».
وهذا الافتتاح ليس أمراً عابراً.
فالإمام يريد أن ينقل الشيعة من حالة الانفعال العاطفي إلى حالة المسؤولية الشرعية.
فالقضية ليست قضية حماس أو تعاطف أو رغبة في الانتقام من الظالمين، وإنما قضية تكليف إلهي يتحمل الإنسان مسؤوليته أمام الله تعالى.
ولهذا لم يقل لهم: اتبعوا كل من يدعو إلى الثورة.
ولم يقل: انصروا كل من يرفع شعار أهل البيت.
بل قال: «انظروا لأنفسكم».
أي مارسوا عملية الفحص والتشخيص والتدقيق.
ثانياً: خطورة المغامرة في القضايا المصيرية.
حيث ضرب الإمام (عليه السلام) مثلاً بالغ الدقة:
«فوالله إن الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي فإذا وجد رجلاً هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه ويجيء بذلك الرجل».
فإن كان الإنسان العاقل لا يسلّم غنمه إلا لمن يراه أعلم وأقدر على رعايتها، فبطريق أولى ألا يجوز للإنسان أن يسلّم دينه ومستقبله ومصيره إلى أي قائد أو حركة من دون ان يكون على بصيرة وبينة من أمره.
ثم ينتقل الإمام (عليه السلام) إلى بيان أخطر نقطة في المسألة فيقول:
«والله لو كانت لأحدكم نفسان يقاتل بواحدة يجرب بها ثم كانت الأخرى باقية يعمل على ما قد استبان لها، ولكن له نفس واحدة».
أي أن الدخول في هذه المشاريع ليس تجربة سياسية يمكن التراجع عنها إذا فشلت.
فالإنسان لا يملك إلا حياة واحدة.
وإذا ضاعت فلا مجال للتعويض او التدارك.
ولهذا ختم الإمام هذا المقطع بقوله:
«فأنتم أحق أن تختاروا لأنفسكم».
أي لا تجعلوا أحداً يصادر عنكم مسؤولية التشخيص.
ثالثاً: ليس كل خارج على الظلم محقاً.
فبعد أن أسس الإمام (عليه السلام) قاعدة التدقيق والفحص، انتقل إلى معالجة واحدة من أهم الشبهات التي كانت مطروحة آنذاك.
فقال: «إن أتاكم آت منا فانظروا على أي شيء تخرجون ولا تقولوا خرج زيد».
وهنا يلفت الإمام إلى قضية جوهرية.
فمجرد كون الداعي من بني هاشم أو من ذرية فاطمة (عليها السلام) لا يكفي لإثبات صحة مشروعه.
كما أن مجرد وجود سابقة تاريخية لشخصية محترمة لا يجعل كل دعوة لاحقة منها صحيحة.
فكل حركة يجب أن تُدرس بذاتها وعلى ضوء موازينها الخاصة.
رابعاً: تقييم الإمام الصادق (عليه السلام) لزيد الشهيد.
بين الإمام (عليه السلام) حقيقة مهمة جداً بقوله:
«فإن زيداً كان عالماً وكان صدوقاً ولم يدعكم إلى نفسه وإنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد».
وهذا النص يهدم التصوير الساذج الذي يحاول تحويل الخلاف بين الإمامية والزيدية إلى صراع بين الحق والباطل أو بين الإخلاص والخيانة.
فالإمام يشهد لزيد بالعلم. ويشهد له بالصدق. ويشهد له بأنه لم يكن طالباً للسلطة لنفسه. بل كان يريد نصرة الحق بحسب اجتهاده وتشخيصه.
ولهذا قال: «ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه».
فالمشكلة لم تكن في نوايا زيد.
وإنما كانت في صحة التشخيص ومشروعية المشروع في ظرفه التاريخي.
وهو عين ما كان الإمام الباقر (عليه السلام) يحذر منه في حواره معه.
خامساً: المعيار الحقيقي للراية الشرعية.
بعد ذلك يضع الإمام (عليه السلام) المعيار الحاسم فيقول: «فوالله ما صاحبكم إلا من اجتمعوا عليه».
أي أن صاحب الأمر الشرعي الذي تجب طاعته ليس كل من خرج بالسيف.
ولا كل من حظي ببعض الأنصار.
ولا كل من رفع شعار الإصلاح.
بل ذلك الإمام الذي نصّبته السماء وجعلته محور اجتماع أهل البيت أنفسهم.
ومن هنا ختم الإمام الرواية بقوله:
«وكفاكم بالسفياني علامة».
أي أن الظهور له علامات ومسارات محددة رسمها أهل البيت (عليهم السلام)، وليس مجالاً للتخمينات والانفعالات والرايات المتعجلة.
سادساً: حصر مشروعية الخروج بصاحب الأمر الموعود (عج) وإعطاء علامة محددة له.
فبعد أن بيّن الإمام الصادق (عليه السلام) الموازين العامة في تقييم الدعوات والحركات والرايات، لم يكتف ببيان ما ينبغي رفضه أو التوقف فيه، بل انتقل إلى بيان الراية التي يجب الالتحاق بها قطعاً عند ظهورها.
فقال (عليه السلام):
«فوالله ما صاحبكم إلا من اجتمعوا عليه».
ثم قال:
«إذا كان رجب فأقبلوا على اسم الله، وإن أحببتم أن تتأخروا إلى شعبان فلا ضير، وإن أحببتم أن تصوموا في أهاليكم فلعل ذلك يكون أقوى لكم، وكفاكم بالسفياني علامة».
ولعل هذه الفقرة هي ذروة الرواية وخاتمتها العملية، لأن الإمام (عليه السلام) بعد أن بيّن ضوابط التشخيص لم يترك الباب مفتوحاً أمام التأويلات والاحتمالات، بل حسم القضية ببيان الراية التي يجب الالتحاق بها فعلاً والعلامة التي لا يشتبه معها الأمر.
وهذا المقطع يمثل في الحقيقة خاتمة المنهج الذي أراد الإمام ترسيخه في نفوس شيعته.
فبعد أن سدّ الباب أمام الاندفاع وراء الدعوات المتعددة والرايات المتنازعة، فتح باباً واحداً واضحاً لا لبس فيه، وهو باب صاحب الأمر (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
فالإمام لم يقل إن الشيعة مأمورون بالالتحاق بكل حركة ترفع شعار الإصلاح.
ولم يقل إن عليهم نصرة كل خارج من أهل البيت (عليهم السلام).
ولم يجعل معيار الشرعية مجرد مواجهة الظالمين أو رفع راية العدل.
بل حصر الأمر في «صاحبكم»، أي الإمام الذي نصبه الله تعالى وأعده لإقامة الدولة الإلهية العالمية.
والأهم من ذلك أن الإمام لم يترك أمر ظهوره خاضعاً للتخمينات أو الاجتهادات الشخصية أو الدعاوى المتكاثرة، بل قرنه بعلامة ظاهرة يعرفها الناس، فقال: «وكفاكم بالسفياني علامة».
ومن الواضح أن هذا التحديد يهدف إلى رفع الحيرة ومنع وقوع الشيعة فريسة لكل داعية يدعو إلى الخروج قبل تحقق العلامات التي جعلها أهل البيت (عليهم السلام) أمارات على الانتقال إلى مرحلة الظهور.
ومن هنا يظهر أن الرواية لا تكتفي بوضع ضوابط للتعامل مع الدعوات السابقة على الظهور، بل تتضمن أيضاً بياناً للطريق الذي ينبغي سلوكه عند تحقق الوعد الإلهي وظهور الحجة (عليه السلام).
ففي المرحلة السابقة على الظهور يكون المطلوب هو البصيرة والتثبت وعدم الانخداع بالشعارات والرايات المتعجلة.
وأما بعد تحقق العلامات المقررة وظهور صاحب الأمر (عليه السلام) فإن وظيفة المؤمن تنتقل من مرحلة الانتظار والترقب إلى مرحلة النصرة والالتحاق والمشاركة في المشروع الإلهي الموعود.
ولهذا يمكن القول إن الإمام الصادق (عليه السلام) قد أغلق بهذه الفقرة الطريق أمام جميع المشاريع العسكرية التي تُطرح بوصفها بديلاً عن مشروع القائم (عليه السلام)، أو مقدمة لازمة لتحقيق دولته، أو طريقاً مستقلاً لإقامة الحكم الإلهي قبل أوانه المرسوم.
فكما أن الرواية تدعو إلى الحذر من الانجرار خلف الرايات المختلفة، فإنها في الوقت نفسه تحدد الراية الوحيدة التي يجب أن تجاب عند ظهورها، وتبين أن لها علامات معروفة لا تترك مجالاً للاشتباه أو الالتباس.
ومن هنا تنسجم هذه الرواية مع الطائفة الكبيرة من النصوص الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) في التحذير من الرايات المرفوعة قبل قيام القائم (عليه السلام)، والتأكيد على أن الدولة الإلهية الشاملة الموعودة إنما تتحقق على يديه هو، وفي الوقت الذي قدّره الله تعالى لها، لا عبر المبادرات العسكرية المتعجلة التي تتجاوز السنن الإلهية وشروط التغيير التي رسمها أهل البيت (عليهم السلام).
🔹مؤمن الطاق نموذجاً للتطبيق العملي
والأجمل من ذلك أن هذه الموازين التي وضعها الإمام الصادق (عليه السلام) لم تبق مجرد مبادئ نظرية، بل نجد تطبيقها العملي واضحاً في الرواية التي تنقل الحوار بين زيد الشهيد وبين محمد بن النعمان المعروف بمؤمن الطاق، وهي:
ما رواه الكليني (ره) في الكافي الشريف في الصحيح عن أبان، قال: (أخبرني الأحول أنّ زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) بعث إليه، وهو مستخْف، قال: فأتيته، فقال لي: يا أبا جعفر، ما تقول إن طرقك طارق منّا أتخرج معه؟
قال: فقلت له: إن كان أباك أو أخاك خرجت معه.
قال: فقال لي: فأنا أريد أن أخرج أجاهد هؤلاء القوم فاخرج معي.
قال: قلت: لا، ما أفعل جعلت فداك.
قال: فقال لي: أترغب بنفسك عنّي؟
قال: قلت له: إنّما هي نفس واحدة، فإن كان لله في الأرض حجّة فالمتخلّف عنك ناج، والخارج معك هالك، وإن لا تكن لله حجّة في الأرض، فالمتخلّف عنك والخارج معك سواء.
قال: فقال لي: يا أبا جعفر، كنت أجلس مع أبي على الخوان، فيلقمني البضعة السمينة، ويبرّد لي اللقمة الحارّة حتّى تبرد، شفقة علىّ ولم يشفق علىّ من حرّ النار؟! إذاً أخبرك بالدين ولم يخبرني به!
فقلت له: جعلت فداك، من شفقته عليك من حرّ النار لم يخبرك، خاف عليك أن لا تقبله، فتدخل النار، وأخبرني أنا، فإن قبلت نجوت، وإن لم أقبل لم يبالِ أن أدخل النار.
ثمّ قلت له: جعلت فداك، أنتم أفضل أم الأنبياء؟ قال: بل الأنبياء .
قلت: يقول يعقوب ليوسف: {يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً} لِمَ لَم يخبرهم حتّى كانوا لا يكيدونه، ولكن كتمهم ذلك، فكذا أبوك كتمك; لأ نّه خاف عليك.
قال: فقال: أما والله، لأن قلت ذلك، لقد حدّثني صاحبك بالمدينة أنّي أقتل وأصلب بالكناسة، وأنّ عنده صحيفة فيها قتلي وصلبي.
فحججت، فحدّثت أبا عبدالله (عليه السلام) بمقالة زيد، وما قلت له، فقال لي: أخذته من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوق رأسه، ومن تحت قدميه، ولم تترك له مسلكاً يسلكه).
فإن المتأمل في هذه المناظرة يرى بوضوح أن مؤمن الطاق لم يكن يقدم رأياً شخصياً، وإنما كان يترجم عملياً المنهج الذي قرره الإمام الصادق (عليه السلام) في رواية عيص بن القاسم.
فلم يكن موقف مؤمن الطاق مجرد موقف فردي اتخذه أحد أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، بل كان تطبيقاً عملياً دقيقاً للموازين التي قررها الإمام الصادق (عليه السلام) في رواية عيص بن القاسم.
فإذا قارنا بين الروايتين وجدنا أن الضوابط الخمسة التي وضعها الإمام الصادق (عليه السلام) قد حضرت جميعاً في موقف مؤمن الطاق واستدلاله.
أما الضابط الأول: وهو مسؤولية التشخيص وعدم الانسياق وراء العواطف.
فقد ظهر بوضوح في أن مؤمن الطاق لم ينجرف مع ما كانت تتمتع به شخصية زيد من مكانة علمية وشرف نسب وسمعة حسنة، ولا مع محاولة زيد التاثير عليه عاطفيا بقوله: (أتترغب بنفسك عني) يعني مع معرفتك بمكانتي ونزلتي وصدق نيتي وسمو هدفي. ولم يجعل هذه الأمور وحدها مبرراً للالتحاق بحركته، بل مارس عملية الفحص والتشخيص التي أمر بها الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله: «انظروا لأنفسكم».
ولهذا لم يكن جوابه قائماً على الانفعال العاطفي، وإنما على البحث عن الموقف الشرعي الصحيح.
وأما الضابط الثاني: وهو خطورة المغامرة في القضايا المصيرية.
فقد تجلى في قول مؤمن الطاق لزيد: «إنما هي نفس واحدة».
وهذا التعبير يكاد يكون انعكاساً مباشراً لكلام الإمام الصادق (عليه السلام): «ولكن له نفس واحدة إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة».
فمؤمن الطاق لم يتعامل مع الخروج بوصفه تجربة سياسية يمكن خوضها ثم التراجع عنها إذا تبين الخطأ، بل اعتبره قراراً مصيرياً يتعلق بالدين والنجاة الأخروية، ولذلك اشترط قبل الإقدام عليه إحراز المشروعية بصورة يقينية. وأما الضابط الثالث: وهو أن صلاح الداعي وانتسابه إلى أهل البيت (عليهم السلام) لا يكفيان لإثبات مشروعية الخروج.
فقد كان أوضح ما يكون في موقفه.
فزيد لم يكن رجلاً متهماً في دينه أو علمه، بل كان من كبار أبناء أهل البيت (عليهم السلام)، ومع ذلك لم ير مؤمن الطاق أن مجرد هذه الصفات تمنح دعوته الشرعية اللازمة للاتباع.
وهذا عين ما أراد الإمام الصادق (عليه السلام) تقريره بقوله: «ولا تقولوا خرج زيد»، أي لا تجعلوا مكانة الأشخاص بديلاً عن دراسة مشروعية المشروع نفسه. وأما الضابط الرابع: وهو التفريق بين صلاح الشخص وصحة المشروع.
فقد طبقه مؤمن الطاق بأوضح صورة.
فهو لم ينازع زيداً في فضله، ولم يتهمه في نيته، ولم يشكك في إخلاصه، وإنما جعل البحث منصباً على سؤال آخر، وهو:
هل هذه الحركة مأذون بها من قبل الحجة الإلهية أم لا؟
وبذلك فصل بين تقويم الشخص وتقويم الحركة، وهو بعينه ما فعله الإمام الصادق (عليه السلام) عندما شهد لزيد بالعلم والصدق وحسن القصد، ثم مع ذلك لم يجعل خروجه دليلاً على صحة كل دعوة مشابهة.
وأما الضابط الخامس: وهو أن المعيار الحقيقي للشرعية هو الحجة الإلهية لا مجرد الدعوة إلى الإصلاح أو حمل السلاح.
فقد كان محور استدلال مؤمن الطاق كله، إذ قال لزيد: «إن كان لله في الأرض حجة فالمتخلف عنك ناج والخارج معك هالك».
فالقضية عنده لم تكن قضية ظلم الأمويين أو عدالة المطالب أو شجاعة القائد، وإنما قضية وجود إمام مفترض الطاعة يجب الرجوع إليه في هذا الشأن الخطير.
ولذلك أعاد المسألة كلها إلى أصل الإمامة والحجية، وهو الأصل نفسه الذي انتهت إليه رواية عيص بن القاسم حين قررت أن «صاحبكم» إنما يعرف بالمعيار الذي نصبه الله تعالى، لا بمجرد رفع الرايات والشعارات.
ومن هنا نفهم سرّ ثناء الإمام الصادق (عليه السلام) على مؤمن الطاق بعد نقله هذه المناظرة له، إذ قال له: «أخذته من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه ولم تترك له مسلكاً يسلكه».
فإن هذا الثناء لم يكن إعجاباً بمهارته الجدلية فحسب، بل كان إقراراً بأن استدلاله جرى وفق الأصول نفسها التي أراد الأئمة (عليهم السلام) ترسيخها في تعامل شيعتهم مع دعوات الخروج والرايات المختلفة قبل قيام القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وأما الضابط السادس: وهو حصر وجوب الالتحاق بالراية الشرعية في الإمام الحق الذي نصبه الله تعالى وأقام عليه العلامات المقررة، فقد ظهر أيضاً بوضوح في مناظرة مؤمن الطاق مع زيد الشهيد.
فإن زيداً لم يبدأ بسؤال مؤمن الطاق عن أصل مشروعية الخروج، وإنما سأله سؤالاً مباشراً فقال له:
«يا أبا جعفر، ما تقول إن طرقك طارق منا أتخرج معه؟»
فكان جواب مؤمن الطاق:
«إن كان أباك أو أخاك خرجت معه».
وهذا الجواب لم يكن مبنياً على الاعتبارات العائلية أو الشخصية، ولم يكن المقصود منه مجرد تفضيل الإمام الباقر أو الإمام الصادق (عليهما السلام) على زيد من حيث الفضل والمقام، فإن زيداً نفسه من كبار أهل البيت (عليهم السلام) ومن أهل العلم والصدق.
وإنما كان مؤمن الطاق يريد أن يلفت النظر إلى أن وجوب الطاعة والاتباع في مثل هذه القضايا المصيرية ليس ثابتاً لكل علوي صالح، وإنما هو مختص بمن ثبتت له الحجة الإلهية والإمامة المفترضة الطاعة.
فأبوه ـ الإمام الباقر (عليه السلام) ـ وأخوه ـ الإمام الصادق (عليه السلام) ـ هما الحجتان المنصوص عليهما من قبل الله تعالى، فلو صدر منهما أمر بالخروج لكان ذلك أمراً صادراً عن الإمام الواجب الطاعة، ولوجب الامتثال له.
أما زيد، مع ما له من الفضل والعلم والصدق، فليس هو الإمام المفترض الطاعة عند الإمامية، ولذلك لم ير مؤمن الطاق أن مجرد دعوته تكفي لإيجاب الالتحاق به.
ومن هنا فإن جواب مؤمن الطاق يمثل تطبيقاً عملياً لما قرره الإمام الصادق (عليه السلام) في رواية عيص بن القاسم حين حصر الراية التي تجب إجابتها بـ«صاحبكم»، وربطها بعلامات مخصوصة لا تترك مجالاً للاشتباه.
فكما أن الإمام الصادق (عليه السلام) أغلق الباب أمام تعدد الرايات والدعاوى وجعل المرجع النهائي هو الإمام الحق الذي نصبه الله تعالى، كذلك أعاد مؤمن الطاق القضية كلها إلى هذا الأصل، فلم يسأل عن قوة الحركة، ولا عن حجم الأنصار، ولا عن عدالة القضية، بل سأل ضمناً عن صاحب الحق في إصدار أمر الخروج.
ولهذا كان جوابه الأول لزيد كافياً في كشف جوهر الخلاف بين المنهج الإمامي ومنهج الخروج؛ إذ إن المسألة عنده ليست من يملك الشجاعة للثورة، بل من يملك الشرعية الإلهية التي توجب الطاعة والاتباع.
وعلى هذا الأساس لم يكن رفضه الخروج مع زيد رفضاً لمواجهة الظلم من حيث المبدأ، بل رفضاً لتجاوز الموقع الذي جعله الله تعالى مرجعاً للأمة في مثل هذه القضايا، وهو موقع الإمام المعصوم الذي بيده وحده حق تشخيص زمان الحركة ومشروعيتها ومآلاتها.
ومن هنا ينسجم موقف مؤمن الطاق تمام الانسجام مع خاتمة رواية عيص بن القاسم، إذ إن كلتا الروايتين تنتهيان إلى نتيجة واحدة، وهي أن الشيعة ليسوا مأمورين بتتبع الرايات والدعوات المختلفة، وإنما مأمورون باتباع الحجة الإلهية وحده، وانتظار الراية التي أذن الله تعالى بقيامها وجعل لها العلامات التي تميزها عن سائر الرايات.
🔹الخلاصة
إن الروايتين معاً تقدمان صورة متكاملة للمنهج الإمامي مع دعوات الخروج.
فالرواية الأولى: تضع القواعد النظرية التي ينبغي للشيعة اعتمادها عند ظهور الرايات والدعوات المختلفة.
أما الرواية الثانية: فتقدم نموذجاً عملياً لكيفية تطبيق تلك القواعد على أرض الواقع.
ومن هنا يظهر مرة أخرى الفرق بين الرؤية التي تجعل معيار الشرعية هو المبادرة إلى المواجهة، وبين الرؤية التي تجعل معيارها وجود الحجة الإلهية، وتشخيص المرحلة، ومعرفة شروط التغيير، والخضوع للسنن التي أجراها الله تعالى في حركة التاريخ.
وهو الفرق نفسه الذي أشار إليه الإمام الباقر (عليه السلام) في حواره مع زيد، والذي ظل يلقي بظلاله على الفكر الشيعي عبر القرون، ولا تزال آثاره حاضرة في كثير من النقاشات المعاصرة حول العلاقة بين الانتظار والتغيير، وبين بناء الإنسان وبناء الدولة، وبين الاندفاع الثوري والبصيرة الشرعية.
