سبق أن ناقشنا، في منشور مستقل، ما سميناه «عقدنة مفهوم التمهيد»، وبيّنا فيه أن مفهوم «التمهيد للمهدي» بالمضمون المتداول اليوم ليس من المفاهيم التي أسس لها أهل البيت (عليهم السلام)، وإنما هو مفهوم متأخر، يراد نقله من دائرة الاجتهاد البشري القابل للنقاش إلى مرتبة الأصل الديني الذي تفسر على ضوئه وظيفة الشيعة في عصر الغيبة، وتقوم المواقف والاتجاهات بحسب القرب منه أو البعد عنه.
وقد كان من دوافع كتابة ذلك المنشور أن هذا المفهوم لا يطرح في إطار نقاش علمي محدود، وإنما يقدم في كلمات ومحاضرات تصدر عن بعض المشايخ الذين يتولون أدواراً مؤثرة في التوجيه الديني والثقافي، ولا سيما في أوساط الشباب، بما يجعل مناقشة هذه الطروحات مسؤولية علمية لا يصح تركها؛ لأن أثرها لا يقف عند حدود الرأي الشخصي، بل يمتد إلى تشكيل الوعي العام، وتحديد نظرة جيل كامل إلى وظيفة الشيعة في عصر الغيبة.
وقد عاد أحد هؤلاء المشايخ فأثار هذه الفكرة من جديد في مقطع مصور، فقال:
«في خضم المواجهة مع العدو الإسرائيلي، وأمام كثرة الشهداء والجرحى والخسائر والنزوح، حلا للبعض أن يدعو للقعود وترك المواجهة مع الأعداء، والتزام الصمت وعدم الحراك ضد أعداء الله، متمسكاً ببعض الأحاديث الواردة الداعية إلى الركود والسكون وعدم الخروج، والتي منها: يا سدير! الزم بيتك، وكن حلساً من أحلاسه، واسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغك أن السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رحلك [رجلك]. ومنها: من رفع راية ضلال فصاحبها طاغوت. ومنها: الزم الأرض ولا تحرك يداً ولا رجلاً حتى ترى علامات أذكرها لك. وغاب عن هذا البعض أن هذه الأحاديث وردت في ظروف خاصة، برزت فيها دعوات لثائرين كانوا يدعون لأنفسهم، ما كانوا يدعون لإمام الحق، مثل العباسيين الذين كانوا يدعون للرضا من آل محمد وكانوا يقصدون أنفسهم، ومثل الحسنيين الذين كانوا يدعون للمهدي، وكانوا يعتقدون أن محمد بن عبد الله بن الحسن هو المهدي الذي تحدث عنه رسول الله صلى الله عليه وآله. لذا كانت هذه الأحاديث في مواجهة تلك الأحداث الخاصة. من هنا فإن هذه الأحاديث لا تتعارض مع الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث الشريفة الكثيرة التي تدعو إلى الجهاد في سبيل الله تعالى، والتي تشمل عصر الحضور وعصر الغيبة. فإياكم أن تحرفوا الثوابت فتنحرفوا عن الحق. في عصرنا نحن ممهدون لصاحب العصر والزمان بجهادنا، ولن نكون أحلاس بيوتنا».*
ولما كان هذا الكلام يشتمل على عدد من الدعاوى المترابطة، فمن المناسب أن يناقش بحسب ترتيبه، فقرة بعد أخرى، حتى يكون القارئ على بينة من موضع كل جواب.
أولاً: «في خضم المواجهة... حلا للبعض أن يدعو للقعود...»
يقول المتكلم:
«في خضم المواجهة مع العدو الإسرائيلي، وأمام كثرة الشهداء والجرحى والخسائر والنزوح، حلا للبعض أن يدعو للقعود وترك المواجهة مع الأعداء، والتزام الصمت وعدم الحراك ضد أعداء الله...».
أقول:
استهل المتكلم كلامه بمحاولة الإيحاء بأن مجرد إثارة النقاش الفكري في خضم الدماء والآلام والشهداء لون من اللامبالاة بمصاب الناس، وكأن من يناقش هذه القضايا اليوم قد اختار أسوأ الأوقات لإثارتها.
وهذه الطريقة في تصوير المخالف ليست جديدة؛ فقد واجه بعض أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) ما يشبهها في صفين، حين سأله أعرابي عن مسألة عقدية، فاستثقل بعض الحاضرين السؤال، ورأوا أن الوقت وقت حرب لا وقت نقاش فكري.
لكن أمير المؤمنين (عليه السلام) رد عليهم بقوله:
««دعوه، فإن الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم».
إنها كلمة ترسم منهجاً كاملاً؛ لأن السؤال عن العقيدة، وعن مشروعية الطريق الذي نسير فيه، ليس حديثاً خارجاً عن المعركة، بل هو السؤال الذي تدور عليه رحى المعركة نفسها.
وعلى أي شيء تقاتل الأمم إذا لم تكن تقاتل على الحق؟ وما قيمة التضحيات إذا بذلت في طريق لم يأذن الله به، أو نسب إلى الدين ما ليس منه؟
إن تصحيح المفاهيم في مثل هذه اللحظات ليس ترفاً فكرياً، بل قد يكون من أخطر الواجبات؛ لأن الخطأ إذا اقترن بالتضحيات تحول إلى كارثة مضاعفة: فلا تضيع الأرواح وحدها، بل يختلط الحق بالباطل، ويصبح الدين نفسه غطاءً لأخطاء البشر.
بل إن الحاجة إلى هذا النقاش تتأكد أكثر إذا كان منشأ الاعتراض هو الاعتقاد بأن الانحراف عن المنهج الذي رسمه أهل البيت (عليهم السلام) كان من أهم الأسباب التي أوصلت الطائفة إلى هذا الواقع الأليم، وما ترتب عليه من سفك الدماء، وتشريد الناس، وضياع الأوطان، وتدمير المدن، وتعريض الأنفس والأموال والأعراض والمقدسات لمختلف صنوف البلاء.
فإذا كان الأمر كذلك، فإن السكوت بحجة أن الوقت غير مناسب لا يكون حفاظاً على مشاعر الناس، بل قد يتحول إلى مشاركة في الجناية عليهم من خلال ترسيخ الأسباب التي أوقعتهم في هذه المأساة.
فمن يعتقد أن الخلل كان في أصل المسار، لا في بعض تفاصيله، لا يملك شرعاً ولا أخلاقاً أن يؤجل بيان ما يراه حقاً حتى تتكرر التجربة مرة بعد أخرى.
على أن هذه الطروحات لا تعني ـ كما يحاول المتكلم أن يوهم ـ إنكار أصل الدفاع المشروع عن النفس، أو الدعوة إلى الاستسلام للعدو، أو التخلي عن الحقوق والحرمات الثابتة شرعاً.
إن الدفاع الاضطراري عن النفس والناس والأعراض والمقدسات بحث، وتحويل مشروع سياسي وعسكري بشري إلى وظيفة دينية عامة للشيعة في عصر الغيبة، ثم نسبته إلى مشروع الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، بحث آخر.
ومحل الكلام هنا هو الثاني، لا الأول.
إننا ندعو إلى إعادة النظر في الأسس التي حكمت هذا المسار، وإلى التمييز بين الدفاع المشروع في موارده التي ثبتت بأدلتها، وبين استراتيجية سياسية وعسكرية يراد لها أن تتحول إلى منهج دائم، وأن تقدم للناس بوصفها طريق التمهيد لصاحب العصر والزمان.
كما ندعو إلى إعادة التموضع وفق الهداية التي رسمها أهل البيت (عليهم السلام)، والتمييز بين الواقعية الشرعية التي تنطلق من نصوصهم، وبين الحماسة الثورية التي قد تمليها العاطفة أكثر مما يهدي إليها الدليل.
لأن معالجة نتائج الخطأ بالإصرار على الخطأ نفسه ليست علاجاً، بل تكرار للمأساة.
وإذا كان هذا النهج هو الذي أوصل ـ في نظرنا ـ إلى هذه الخسائر الفادحة، فلا يمكن أن يكون هو نفسه الطريق الذي يجبرها ويعوضها، بل إن الإصرار على الأسباب نفسها لا ينتج إلا نتائج من جنسها، وربما أشد منها.
ولذلك فإن مراجعة المسار في مثل هذه اللحظات ليست لعباً على جراح الناس، بل هي محاولة لإنقاذ ما بقي، ومنع تكرار المأساة، وصيانة ما تبقى من دماء الناس وأوطانهم ومقدراتهم، ورد الطائفة إلى الطريق الذي جعله أهل البيت (عليهم السلام) ضماناً لسلامتها في عصر الغيبة.
ثانياً: «متمسكاً ببعض الأحاديث الواردة...»
يقول المتكلم:
«... متمسكاً ببعض الأحاديث الواردة الداعية إلى الركود والسكون وعدم الخروج...».
ويلفت النظر قوله: «بعض الأحاديث»؛ فإن هذا التعبير قد يوحي للقارئ بأن هناك طائفة أخرى من الروايات في هذا الباب أغفلها من يتمسك بروايات الانتظار والسكون، وأنه اقتصر على ما يوافق رأيه وترك ما يخالفه.
ولا نجزم بأن هذا هو مراد المتكلم، لكن هذا هو الانطباع الذي يتركه ظاهر عبارته، ولذلك يحسن، قبل الدخول في مناقشة دلالة الروايات، أن نسأل سؤالاً واضحاً:
أين هي الروايات الأخرى؟
إننا نتحدى المتكلم، بل ونتحدى كل من يتبنى هذا الاتجاه، أن يأتينا برواية واحدة عن أحد أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، تجعل الوظيفة العامة للشيعة في عصر الغيبة إنشاء مشروع سياسي أو عسكري عام، أو تجعل المبادرة إلى تأسيس راية قتالية قبل قيام القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف) جزءاً من مشروعه وتمهيداً مأذوناً به لظهوره.
ولا نتحدث هنا عن الدفاع المشروع عن النفس أو الحرمات، الذي يبحث في بابه وعلى أساس أدلته وعناوينه الخاصة، وإنما نتحدث عن مشروع سياسي وعسكري عام ينسب إلى وظيفة الشيعة في عصر الغيبة وإلى مشروع الإمام الغائب.
فإن كانت هناك مثل هذه الروايات، فلتعرض أولاً، وحينئذ يكون البحث في كيفية الجمع بينها وبين روايات الانتظار والسكون.
أما إذا لم يكن في الباب نص يرسم هذا المشروع، ثم كان تمام البحث منصباً على تأويل روايات الانتظار وصرفها عن ظاهرها، فإن محل النزاع لا يكون أن بعض الناس تمسك ببعض الروايات وترك بعضها الآخر، وإنما يكون في فهم الروايات الموجودة نفسها:
هل هي بصدد بيان منهج عام للشيعة في عصر الغيبة، أم أنها مختصة بوقائع تاريخية معينة كما يدعي المتكلم؟
ولذلك كنا نتمنى من المتكلم، قبل أن يشرع في تأويل هذه النصوص، أن يدلنا أولاً على النصوص التي بنى عليها المسار الذي يدعو إليه، حتى يقوم البحث على مقارنة النصوص بعضها ببعض، لا على مجرد الإيحاء بوجود طائفتين من الروايات، من غير أن تعرض الطائفة الثانية.
ثم إن المتكلم لم يذكر من روايات الباب إلا ثلاث روايات، وجعلها أساس دعواه، ولذلك سنقتصر في هذا الجواب على مناقشة الروايات التي استشهد بها، لا لأنها هي وحدها روايات الباب، بل لأننا بصدد التعليق على كلامه، لا بصدد استيعاب جميع النصوص الواردة في المسألة.
ثالثاً: الروايات التي أشار إليها المتكلم
الرواية الأولى: رواية سدير
استشهد المتكلم بقوله (عليه السلام):
«يا سدير، الزم بيتك، وكن حلساً من أحلاسه، واسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغك أن السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك».
ومن اللافت أنه ليس في الرواية صدر محذوف يبين أنها وردت في خصوص حركة سياسية معينة، ولا ذيل يخصص الأمر بالسكون بظرف تاريخي عابر، كما حاول المتكلم أن يصوره.
بل إن الرواية نفسها تشتمل على قرينتين واضحتين تنفيان هذا الفهم من أساسه.
–القرينة الأولى: «واسكن ما سكن الليل والنهار»
فالإمام لم يقل لسدير:
- حتى تنتهي هذه الفتنة. - أو حتى تسقط هذه الدولة. - أو حتى تنتهي هذه الثورة.
وإنما قال:
«واسكن ما سكن الليل والنهار».
وهو تعبير ظاهر في الامتداد والاستمرار، لا في معالجة أيام محدودة من ظرف سياسي عابر.
ولو كانت الرواية تعالج حركة معينة، لكان المناسب أن يربط الإمام انتهاء الحكم بانتهاء تلك الحركة أو زوال أسبابها، لا باستمرار الليل والنهار.
–القرينة الثانية: «فإذا بلغك أن السفياني قد خرج...».
ثم إن الإمام نفسه عين نهاية مرحلة السكون التي أمر بها، فقال:
«فإذا بلغك أن السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك».
فلم يجعل انتهاء هذا الحكم بسقوط بني أمية، ولا باستيلاء بني العباس، ولا بانتهاء حركة محمد النفس الزكية، ولا بغير ذلك من الوقائع التاريخية، وإنما ربطه بخروج السفياني، وهو من العلامات السابقة على الظهور.
وهذا وحده كاف في إبطال دعوى أن الرواية لا تتجاوز الظرف السياسي الذي صدرت فيه.
فالرواية نفسها هي التي مدت أمد الحكم إلى مرحلة علامات الظهور، لا نحن.
ويؤيد هذا الفهم ما ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام) في تفسير قوله:
«اسكنوا ما سكنت السماء والأرض».
فعن الحسين بن خالد قال: *«قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): إن عبد الله بن بكير كان يروى حديثا وأنا أحب أن أعرضه عليك، فقال: ما ذلك الحديث؟ قلت: قال ابن بكير: حدثني عبيد بن زرارة قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) أيام خرج محمد بن عبد الله بن الحسن إذ دخل عليه رجل من أصحابنا فقال له: جعلت فداك إن محمد بن عبد الله قد خرج فما تقول في الخروج معه؟ فقال: اسكنوا ما سكنت السماء والأرض.
فقال عبد الله بن بكير: فإن كان الامر هكذا ولم يكن خروج ما سكنت السماء والأرض فما من قائم وما من خروج!!*
فقال أبو الحسن (عليه السلام): صدق أبو عبد الله (عليه السلام) وليس الامر على ما تأوله ابن بكير، إنما عنى أبو عبد الله (عليه السلام) اسكنوا ما سكنت السماء من النداء، والأرض من الخسف بالجيش».*
فلما توهم عبد الله بن بكير أن ظاهر «اسكنوا ما سكنت السماء والأرض» يقتضي عدم وقوع أي خروج إلى الأبد ضرورة دوام سكون السماء والأرص، قال الإمام الرضا (عليه السلام):
«إنما عنى أبو عبد الله: اسكنوا ما سكنت السماء من النداء، والأرض من الخسف بالجيش».
فقد ربط الإمام الرضا (عليه السلام) نهاية السكون بالنداء والخسف، وهما من العلامات المتصلة بمرحلة الظهور، لا بانتهاء الحادثة السياسية التي قيل الكلام في سياقها.
وهذا يكشف عن خطأ المنهج الذي يجعل مجرد خصوص المناسبة التاريخية قرينة كافية على تقييد مدلول النص، مع أن الإمام نفسه قد عين غايته وربطها بعلامات الظهور.
ويؤكد هذا المعنى أيضاً ما رواه عمر بن حنظلة، قال:
«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: خمس علامات قبل قيام القائم: الصيحة، والسفياني، والخسف، وقتل النفس الزكية، واليماني. فقلت: جعلت فداك، إن خرج أحد من أهل بيتك قبل هذه العلامات أنخرج معه؟* قال: لا. فلما كان من الغد تلوت هذه الآية: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾، فقلت له: أهي الصيحة؟* *فقال: أما لو كانت خضعت أعناق أعداء الله عز وجل».
وهذه الرواية في غاية الأهمية؛ لأن السائل لا يتحدث عن رجل من خارج أهل البيت، ولا عن مدع ظاهر البطلان، وإنما يسأل عن «أحد من أهل بيتك» يخرج قبل العلامات.
ومع ذلك لم يرخّص له الإمام في الخروج معه، بل جاء جوابه صريحاً:
«لا».
نعم، لا يصح أن نحمل الرواية وحدها أكثر مما يدل عليه موردها، فهي تتحدث مباشرة عن خروج رجل من أهل البيت قبل العلامات، ولا تتناول بلفظها كل صورة ممكنة من صور الحركة السياسية أو القتال.
لكنها تثبت بوضوح أن مجرد انتساب القائد إلى أهل البيت، أو صلاحه في نظر الناس، أو مواجهته لسلطة ظالمة، لا يكفي في نفسه لإثبات أن الخروج معه هو المشروع المأذون به.
كما تكشف عن أن العلامات المذكورة ليست أموراً عرضية خارجة عن الحكم، بل هي الحد الذي جعله الإمام فاصلاً في الجواب عن الخروج مع رجل من أهل بيته.
وبضم هذه الرواية إلى رواية سدير وما شابهها يتضح أن مورد الاشتباه الحقيقي عند الشيعة ليس دائماً من يعلن أنه يدعو إلى نفسه صراحة، وإنما قد يكون من ينتسب إلى أهل البيت، أو يرفع رايتهم، أو يظن الناس أنه يجسد مشروعهم.
ولهذا لم يجعل الإمام صلاح الرجل أو نسبه وحدهما ميزاناً كافياً، بل أعاد الشيعة إلى العلامات والمنهج الذي رسمه لهم.
رابعاً: الرواية الثانية: «من رفع راية ضلالة...»
يقول المتكلم:
«ومنها: من رفع راية ضلال فصاحبها طاغوت».
وهذه العبارة ليست رواية مستقلة، وإنما هي خاتمة حديث رواه الكليني في روضة الكافي، ونصه:
«عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: الناس صاروا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمنزلة من اتبع هارون (عليه السلام) ومن اتبع العجل، وإن أبا بكر دعا، فأبى علي (عليه السلام) إلا القرآن، وإن عمر دعا، فأبى علي (عليه السلام) إلا القرآن، وإن عثمان دعا، فأبى علي (عليه السلام) إلا القرآن، وإنه ليس من أحد يدعو إلى أن يخرج الدجال إلا سيجد من يبايعه، ومن رفع راية ضلالة فصاحبها طاغوت».*
فالإمام (عليه السلام) لم يبتدئ كلامه بقوله: «من رفع راية ضلالة»، وإنما مهد له ببيان سنة تاريخية تمتد من بني إسرائيل إلى هذه الأمة.
فبدأ بتشبيه حال الأمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحال بني إسرائيل، حيث انقسموا بين من ثبت مع هارون ومن اتبع العجل.
ثم ذكر موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) من الدعوات التي وجهت إليه بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).
ثم قرر أن مجرد وجود الأتباع والمبايعين لا يثبت حقانية الراية، فقال:
«وإنه ليس من أحد يدعو إلى أن يخرج الدجال إلا سيجد من يبايعه».
أي إن كثرة الأتباع ليست معياراً للحق، حتى إن الدجال نفسه يجد من يستجيب له.
ثم ختم بقوله:
««ومن رفع راية ضلالة فصاحبها طاغوت».»
ومن هنا يتبين أن الجملة الأخيرة لا يصح فصلها عن السياق الذي وردت فيه؛ لأن السياق كله يحذر من اتخاذ كثرة الأتباع، أو المظهر الديني، أو الادعاء، دليلاً كافياً على أن الراية راية هدى.
لكن ينبغي، في الوقت نفسه، ألا نحمل الرواية ما لا يدل عليه لفظها.
فهي تحكم على راية الضلالة بأن صاحبها طاغوت، ولا تثبت بهذه الجملة وحدها أن كل راية ترفع قبل الظهور راية ضلالة، ولا تغنينا عن إثبات أن الراية المعينة غير مأذون بها أو أنها تقام في مقابل المنهج الإلهي.
وإنما تظهر دلالتها في محل البحث عند ضمها إلى سائر الروايات التي تبين أن صلاح الشخص في نظر الناس، أو انتسابه إلى أهل البيت، أو رفعه شعاراً دينياً، لا يكفي وحده لإثبات أن رايته هي الراية المأذون بها.
وبذلك تتكامل دلالة النصوص:
فهذه الرواية تقرر أن الراية التي لا تستند إلى الهدى الإلهي راية ضلالة، وأن كثرة المبايعين ليست دليلاً على حقانيتها.
وسائر روايات الباب تبين أن إقامة المشروع العام ونسبته إلى أهل البيت أو إلى الإمام المهدي لا تثبت بمجرد الشعارات أو النيات الحسنة، وإنما تحتاج إلى دليل وإذن.
وهذا هو وجه استحضار تشبيه الأمة بمن اتبع هارون ومن اتبع العجل؛ فإن الفتنة قد لا تكون دائماً في إنكار الدين صراحة، بل قد تقع في إقامة بديل بشري يلبس لباس الدين في فترة غياب الحجة الظاهرة.
وعليه، فإن نقل عبارة:
«ومن رفع راية ضلالة فصاحبها طاغوت»»
من دون سياقها يحجب عن القارئ الأساس الذي بني عليه الحكم، كما أن قراءة السياق لا تعفينا من ضرورة إثبات كون الراية المعينة راية ضلالة على ضوء مجموع النصوص والضوابط الشرعية.
خامساً: الرواية الثالثة: «الزم الأرض ولا تحرك يداً ولا رجلاً...»
يقول المتكلم:
«ومنها: الزم الأرض ولا تحرك يداً ولا رجلاً حتى ترى علامات أذكرها لك».
وهذا المقطع من رواية طويلة يرويها جابر الجعفي عن الإمام الباقر (عليه السلام)، وقد جاء في صدرها:
«يا جابر، الزم الأرض ولا تحرك يداً ولا رجلاً حتى ترى علامات أذكرها لك إن أدركتها: أولها اختلاف بني العباس، وما أراك تدرك ذلك، ولكن حدث به من بعدي عني، ومناد ينادي من السماء، ويجيئكم الصوت من ناحية دمشق بالفتح، وتخسف قرية من قرى الشام تسمى الجابية، وتسقط طائفة من مسجد دمشق الأيمن، ومارقة تمرق من ناحية الترك، ويعقبها هرج الروم، وسيقبل إخوان الترك حتى ينزلوا الجزيرة، وستقبل مارقة الروم حتى ينزلوا الرملة، فتلك السنة يا جابر اختلاف كثير في كل أرض من ناحية المغرب...».
ثم تستمر الرواية في ذكر اختلاف الرايات، وخروج السفياني، وتحركاته ووقائعه، وما يتصل بمرحلة ظهور القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
والغرض هنا لا يتوقف على نقل جميع التفاصيل الطويلة الواردة في بقية الحديث، وإنما يتوقف على ملاحظة أن الإمام لم يطلق الأمر بلزوم الأرض ثم يسكت، بل قال مباشرة:
«حتى ترى علامات أذكرها لك».»
ثم أخذ في تعداد علامات تتصل بمرحلة الظهور، وصرح لجابر بأنه لا يكاد يدركها، فقال:
«وما أراك تدرك ذلك، ولكن حدث به من بعدي عني».
وهذا هو الجزء الذي يغير طريقة فهم الأمر بلزوم الأرض.
فلو كان الحكم وارداً لمجرد معالجة حركة سياسية قائمة في عصر الإمام الباقر (عليه السلام)، فما معنى أن يربطه الإمام بعلامات يخبر جابراً بأنه لا يدركها، ويأمره أن يحدث بها من يأتي بعده؟
إن هذا يدل على أن الإمام لا يصدر موقفاً شخصياً من ثائر معين فحسب، وإنما يرسم توجيهاً يتجاوز حياة المخاطب إلى الأجيال اللاحقة، ويجعل العلامات المذكورة حداً ظاهراً للمرحلة التي يتحدث عنها.
ولا يعني ذلك أن هذه الرواية بمفردها تحسم كل مسألة من مسائل الدفاع والقتال والسياسة في عصر الغيبة؛ فلكل عنوان أدلته وموضوعه وشروطه.
لكنها تنفي بوضوح أن يكون الأمر بلزوم الأرض مجرد نصيحة آنية تنتهي بانتهاء حركة معاصرة للإمام، كما حاول المتكلم أن يصوره.
كما أن الاستشهاد بصدرها وحده:
«الزم الأرض ولا تحرك يداً ولا رجلاً».
من دون ذكر قوله:
«حتى ترى علامات أذكرها لك»،
ومن دون بيان طبيعة العلامات التي شرع الإمام في تعدادها، يحجب عن القارئ القرينة الأهم في تحديد المدى الزمني للكلام.
وبذلك نجد أن الروايات التي استشهد بها المتكلم لا تؤيد النتيجة التي أراد الوصول إليها:
- فرواية سدير تربط انتهاء السكون بخروج السفياني. - ورواية جابر تجعل غاية الأمر ظهور العلامات التي تتصل بمرحلة الظهور، وتصرح بأن المخاطب لا يدركها. - ورواية عمر بن حنظلة تمنع من الخروج مع رجل من أهل البيت قبل العلامات المذكورة. - أما رواية «راية الضلالة» فتقرر أن الراية التي لا تقوم على الهدى الإلهي راية ضلالة، وأن وجود الأتباع لا يثبت حقانيتها.
فليست جميع هذه الروايات بلسان واحد، ولا يصح أن نحمل إحداها ما تختص به الأخرى، لكنها تتعاضد في نفي الفكرة التي يريد المتكلم إثباتها، وهي أن كل هذه النصوص لا تعدو أن تكون مواقف تاريخية مؤقتة من العباسيين أو الحسنيين.
ومن هنا ننتقل إلى أصل الدعوى التي بنى عليها المتكلم تفسيره لهذه الروايات، وهي قوله:
«وغاب عن هذا البعض أن هذه الأحاديث وردت في ظروف خاصة...».
سادساً: هل هذه الروايات خاصة بظروف تاريخية معينة؟
يقول المتكلم:
«وغاب عن هذا البعض أن هذه الأحاديث وردت في ظروف خاصة، برزت فيها دعوات لثائرين كانوا يدعون لأنفسهم، ما كانوا يدعون لإمام الحق...».
وهذه هي الدعوى المحورية في كلامه.
ومفادها أن الروايات لا يراد منها بيان منهج يمتد أثره في عصر الغيبة، وإنما صدرت لمعالجة ظروف سياسية محددة، وانتهى حكمها بانتهاء تلك الظروف.
غير أن هذه الدعوى تصطدم أولاً بألسنة الروايات نفسها.
فإننا لو كنا نحن الذين وسعنا مدلول النصوص، أو ألغينا خصوصية واضحة في لسانها، لأمكن الاعتراض علينا بأننا تجاوزنا مواردها.
أما والحال أن رواية سدير نفسها جعلت نهاية السكون عند خروج السفياني، ورواية جابر أخذت تعدد علامات يخبر الإمام مخاطبه بأنه لا يدركها، ورواية عمر بن حنظلة جعلت السؤال عن الخروج مع رجل من أهل البيت قبل علامات القيام، فلا يكفي أن يشار إلى الحوادث التاريخية المعاصرة للأئمة ثم يقال إن النصوص انتهت بانتهائها.
فرواية سدير لم تقل:
«الزم بيتك حتى تنتهي هذه الفتنة.»
بل قالت:
«فإذا بلغك أن السفياني قد خرج فارحل إلينا».
ورواية الإمام الرضا (عليه السلام) فسرت قوله:
«اسكنوا ما سكنت السماء والأرض»
بقولها:
«ما سكنت السماء من النداء، والأرض من الخسف بالجيش».
ورواية عمر بن حنظلة لم يكن موردها رجلاً معروفاً بالعداء لأهل البيت، بل كان السؤال فيها:
«إن خرج أحد من أهل بيتك قبل هذه العلامات أنخرج معه؟»
فكان الجواب:
«لا».
ورواية جابر لم تقف عند قوله:
«الزم الأرض».
بل جعلت الغاية:
«حتى ترى علامات أذكرها لك».
فأي شاهد في هذه الألسنة على أن الحكم ينتهي بانتهاء الدعوة العباسية أو حركة محمد النفس الزكية؟
إن مجرد صدور النص في سياق حادثة خاصة لا يقتضي قصر مدلوله على تلك الحادثة.
والتعبير الأصولي الأدق هنا أن خصوص المورد لا يخصص الوارد، ما دام الجواب قد صيغ بلسان يتجاوز الواقعة، أو جعلت له غاية لا تنتهي بانتهائها.
نعم، قد تكون الحادثة التاريخية هي المناسبة التي دعت السائل إلى السؤال، لكن العبرة بما أجاب به الإمام، لا بمجرد الدافع الذي حمل السائل على السؤال.
فإذا قال الإمام:
«لا تخرج مع فلان»
كان الحكم متعلقاً بفلان.
أما إذا قال:
«اسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغك أن السفياني قد خرج...»
أو قال:
«لا، حتى ترى العلامات»
أو قال:
«الزم الأرض... حتى ترى علامات أذكرها لك»
فلا يصح إلغاء هذه القيود والغايات، ثم قصر الكلام على الحادثة التي يحتمل أنها كانت وراء السؤال.
ولا يعني ذلك أن هذه الروايات تلغي كل حكم آخر في أبواب الدفاع والأمر بالمعروف وحفظ النفس وبيضة المسلمين؛ فتلك عناوين تبحث في مواردها وعلى أساس أدلتها.
وإنما الكلام في أنها لا تسمح بجعل كل مشروع سياسي أو عسكري عام ينشأ في عصر الغيبة جزءاً من وظيفة الشيعة أو من مشروع الإمام، لمجرد رفعه شعاراً دينياً أو مواجهته عدواً ظالماً.
فهذا يحتاج إلى دليل خاص، ولا يكفي فيه إلغاء دلالة روايات الانتظار بدعوى أن لها ظروفاً تاريخية مضت.
على أن المتكلم لم يذكر دليلاً واحداً من ألفاظ الروايات على هذا التخصيص، وإنما ذكر بعض الوقائع التاريخية التي كانت معاصرة للأئمة، ثم افترض أن الروايات ناظرة إليها وحدها، مع أن ألفاظها وغاياتها لا تساعد على هذا الحصر.
ومن هنا ننتقل إلى المثالين التاريخيين اللذين اعتمد عليهما لإثبات دعواه، وهما الدعوة العباسية، وحركة محمد بن عبد الله بن الحسن المعروف بالنفس الزكية.
سابعاً: هل كانت الروايات ناظرة إلى الدعوة العباسية؟
يقول المتكلم:
«... مثل العباسيين الذين كانوا يدعون للرضا من آل محمد، وكانوا يقصدون أنفسهم...».
ولا شك أن الدعوة العباسية كانت من أبرز الحركات التي رفعت شعار «الرضا من آل محمد»، ثم استثمرت محبة الناس لأهل البيت (عليهم السلام) للوصول إلى السلطة.
لكن السؤال ليس:
هل كانت الدعوة العباسية موجودة؟
فهذا أمر لا نزاع فيه.
ولا:
هل كانت من مصاديق التحذير من الرايات الملتبسة والشعارات الدينية التي يراد بها غير ظاهرها؟
فقد تكون من أوضح مصاديق ذلك.
وإنما السؤال هو:
هل كانت هي المقصودة وحدها، بحيث ينتهي مدلول الروايات بانتهاء مرحلة الدعوة العباسية السرية ووصول العباسيين إلى الحكم؟
وهذا هو الذي يحتاج إلى دليل، ولا يكفي فيه مجرد التقارن التاريخي.
بل إن استمرار صدور روايات السكون والانتظار وربط الحركة بعلامات الظهور في مراحل لاحقة من عصر الأئمة (عليهم السلام) ينافي قصرها على مرحلة الدعوة العباسية قبل استيلائها على السلطة.
فلو كانت هذه الروايات تعالج خصوص الشعار العباسي حين كان أصحابه يدعون إلى «الرضا من آل محمد»، لكان المتوقع أن ينتهي موجب ذلك الخطاب بعد انكشاف حقيقة الدعوة واستقرار سلطان العباسيين.
لكننا لا نجد في تراث الأئمة المتأخرين إعلاناً بأن مرحلة السكون قد انتهت بعد انكشاف العباسيين، وأن الشيعة أصبحوا مأمورين من ذلك الحين بتأسيس مشاريعهم السياسية والعسكرية العامة.
بل بقيت النصوص تربط أمر القائم بعلاماته، وتنهى عن الاستعجال، وتحذر من الرايات والدعاوى التي تسبق قيامه.
كما أن الدولة العباسية، بعد أن استقر لها الأمر، تحولت إلى سلطة شديدة البطش بأئمة أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم، ومع ذلك لم يتحول موقف الأئمة إلى تأسيس مشروع عسكري عام للشيعة بوصفه وظيفتهم الدينية في الغيبة.
وهذا يكشف أن القضية أعمق من مجرد موقف من جماعة سياسية كانت تخفي مقاصدها تحت شعار «الرضا من آل محمد».
إن الدعوة العباسية يمكن أن تكون مصداقاً بارزاً للتحذيرات الواردة في الروايات، لكن كونها مصداقاً لا يعني أنها هي تمام الموضوع.
فالاستدلال بوجودها لا يثبت أكثر من دخولها في الحكم، أما اختصاص الحكم بها وانتهاؤه بانتهاء مرحلتها الأولى، فيحتاج إلى قرينة من النص، ولا توجد في الألفاظ التي استشهد بها المتكلم مثل هذه القرينة.
بل الموجود فيها ما يدل على امتداد الخطاب إلى علامات تتجاوز تلك المرحلة التاريخية.
ومن هنا ننتقل إلى المثال الثاني الذي ذكره المتكلم، وهو حركة محمد بن عبد الله بن الحسن، المعروف بالنفس الزكية.
ثامناً: ماذا عن حركة محمد بن عبد الله بن الحسن، النفس الزكية؟
يقول المتكلم:
«... ومثل الحسنيين الذين كانوا يدعون للمهدي، وكانوا يعتقدون أن محمد بن عبد الله بن الحسن هو المهدي الذي تحدث عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله)...».
وهذا المثال لا يضعف الاستدلال بالروايات، بل يكشف عن أهمية الضابط الذي أراد الأئمة (عليهم السلام) ترسيخه.
فمحمد بن عبد الله بن الحسن لم يكن رجلاً عادياً حتى يقال إن الإمام نهى عن اتباعه لوضوح بطلان أمره عند الجميع.
بل كان من أبرز شخصيات بني هاشم في عصره، وكان معروفاً بالصلاح والعبادة والزهد، ورأى فيه جماعة من الناس المهدي الموعود، وبايعه كثيرون على هذا الأساس.
فإذا كانت بعض الروايات قد صدرت في أجواء حركته، فإنها تكشف عن أمر بالغ الأهمية، وهو أن العناصر التي تجذب الناس إلى المشروع لا تكفي وحدها في إثبات مشروعيته الدينية.
فالرجل:
- من بني هاشم. - ومن ذرية الإمام الحسن (عليه السلام). - وكان مشهوراً بالصلاح. - وكان يواجه سلطة جائرة. - وكان فريق من الناس يعتقد أنه المهدي.
ومع ذلك لم يجعل الأئمة (عليهم السلام) هذه الصفات وحدها دليلاً على وجوب الالتحاق بمشروعه.
فلو كان منشأ النهي مجرد خطأ الناس في الاعتقاد بأنه المهدي، لكان يكفي بيان أنه ليس هو المهدي، ثم يقال لهم إن أصل المشروع صحيح وإن الخطأ اقتصر على تشخيص قائده.
لكن روايات الباب لا تقف عند نفي مهدوية هذا الشخص أو ذاك، وإنما تعيد المخاطبين إلى العلامات والضوابط التي عينها الأئمة.
ومن هنا تأتي أهمية رواية عمر بن حنظلة؛ إذ لم يسأل عن شخص يعلن العداء لأهل البيت، بل قال:
«إن خرج أحد من أهل بيتك قبل هذه العلامات أنخرج معه؟»
فكان الجواب:
«لا».
ولا يصح أن نتجاوز مورد الرواية فنقول إنها بمفردها تحكم على كل مشروع من كل نوع؛ لكنها تثبت أن مجرد خروج رجل من أهل البيت، أو ظهوره بمظهر الصلاح، لا يكفي لإثبات أن الخروج معه هو الوظيفة المأذون بها.
وكذلك رواية سدير لم تجعل انتهاء السكون بمجرد انكشاف خطأ دعوى النفس الزكية، بل جعلته عند خروج السفياني.
ورواية جابر لم تجعل الغاية انتهاء حركة الحسنيين، بل ظهور العلامات التي أخذ الإمام في تعدادها.
وبذلك تصبح قضية النفس الزكية تطبيقاً واضحاً للقاعدة الآتية:
إن صلاح القائد في نظر الناس، وانتسابه إلى أهل البيت، ومواجهته سلطة ظالمة، ورفعه شعارات دينية، لا يكفي شيء منها وحده لإخراج مشروعه من دائرة السؤال والتمحيص، ولا لإثبات أنه جزء من المشروع الإلهي.
أما تعميم الحكم على كل صورة من صور الدفاع أو العمل السياسي، فليس هو ما نريد إثباته بهذه الواقعة، ولا تدل عليه الروايات بمجردها.
إن محل البحث هو دعوى أن مشروعاً سياسياً أو عسكرياً عاماً يمثل وظيفة الشيعة في عصر الغيبة، وأنه يمهد للإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
وهذه الدعوى لا تثبت بفضائل الأشخاص، ولا بعدالة القضية التي يرفعونها في الجملة، ولا بظلم خصومهم، وإنما تحتاج إلى دليل على أن هذا المشروع، بهذه القيادة وهذه الحدود وهذه الآثار، مأذون به دينياً ومنسوب بحق إلى مشروع الإمام.
ومن هنا يتبين أن المثالين اللذين استند إليهما المتكلم، وهما الدعوة العباسية وحركة النفس الزكية، لا يصلحان لتخصيص الروايات بهما.
فهما يبينان جانباً من موارد تطبيق الروايات، لكنهما لا يقدمان دليلاً على انتهاء مدلولها بانتهاء الحادثتين.
تاسعاً: هل تعارض هذه الروايات آيات الجهاد؟
يقول المتكلم:
«لذا كانت هذه الأحاديث في مواجهة تلك الأحداث الخاصة، ومن هنا فإن هذه الأحاديث لا تتعارض مع الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث الشريفة الكثيرة التي تدعو إلى الجهاد في سبيل الله تعالى، والتي تشمل عصر الحضور وعصر الغيبة».
وهذه النتيجة ثمرة لما تقدم في كلامه؛ إذ لما افترض أن روايات النهي مختصة بوقائع تاريخية معينة، لم يبق عنده ما يقيد الاستدلال بعمومات الجهاد في عصر الغيبة.
لكن بعد أن تبين أن دعوى الخصوصية التاريخية لا يساعد عليها لسان الروايات، فلا يصح تجاوز هذه النصوص بمجرد التمسك بالعمومات.
فنحن لا نقف بالضرورة أمام تعارض بين القرآن والسنة، وإنما قد نقف أمام عام وخاص، أو مطلق ومقيد، أو حكم أولي وعناوين وشروط تحدد مجال تطبيقه.
فالقرآن أمر بإقامة الصلاة، وجاءت السنة فبينت عدد ركعاتها وشروطها.
وأوجب الزكاة، وجاءت السنة فبينت أنصبتها ومواردها.
وأمر بالحج، وجاءت السنة فبينت مناسكه.
وكذلك فإن آيات القتال والجهاد لا تستغني في مقام التطبيق عن بيان شروطها، وموضوعاتها، ومن يملك أمرها، وما يخرج منها بعناوين خاصة.
وهذا هو المنهج الذي سار عليه الفقهاء في سائر أبواب الاستنباط.
فلا معنى للقول بأن مجرد الأخذ بروايات النهي عن بعض صور الخروج ورفع الرايات معارضة للقرآن، ما دامت السنة مبينة لحدود الأحكام القرآنية ومجالاتها.
وقواعد الاستنباط تقضي بأن:
- الخاص يقدم على العام. - والمقيد يقدم على المطلق. - والنص يقدم على الظاهر.
فإن ثبت أن روايات الباب تنفي شرعية تأسيس الرايات والمشاريع القتالية العامة قبل الظهور من دون إذن ودليل، كانت مخصصة لعمومات الجهاد في خصوص هذا المورد.
ولا يستلزم ذلك نفي الدفاع المشروع عن النفس أو المسلمين أو الحرمات في موارده الثابتة بأدلتها الخاصة؛ لأن الدفاع عنوان مستقل، تختلف موضوعاته وحدوده وأحكامه عن دعوى إنشاء مشروع سياسي وعسكري عام ونسبته إلى وظيفة الشيعة في عصر الغيبة.
وهذا التفريق ضروري؛ لأن خلط العناوين المختلفة تحت كلمة «الجهاد» لا يحل المشكلة العلمية.
فقد يكون أصل الدفاع مشروعاً، لكن ذلك لا يثبت أن كل استراتيجية اتخذت باسمه صحيحة، ولا أن كل قرار سياسي أو عسكري صدر تحت عنوانه يمثل مشروع الإمام المهدي، ولا أن كل مناقشة لطريقة إدارته دعوة إلى الاستسلام.
كما قد يكون العدو ظالماً بلا ريب، ولا يلزم من ذلك أن تكون جميع السياسات المتخذة في مواجهته مأذوناً بها، أو حكيمة، أو منسوبة إلى الدين.
ولا يبقى وجه لطرح روايات الباب ابتداءً إلا على أساس مبنى سابق، خلاصته أن عمومات الجهاد آبية عن التخصيص، وأن كل رواية تنهى عن القيام أو تقيد مشروعيته في عصر الغيبة ينبغي أن تطرح لمخالفتها القرآن، مهما بلغت من الكثرة.
ولعل هذا قريب مما نسب إلى بعض علماء هذا الاتجاه من أنه مهما كثرت الروايات الناهية عن القيام في عصر الغيبة فإني أضرب بها عرض الجدار، بدعوى مخالفتها آيات الجهاد.
فالمبدأ الذي تعبر عنه هذه المقولة يثير إشكالاً منهجياً واضحاً.
فمعناه أن عمومات الجهاد لا تقبل التخصيص بهذه الروايات، وأن كثرة النصوص وصراحتها لا تغير شيئاً؛ لأنها تطرح ابتداءً على أساس فهم سابق للقرآن.
وهذا مبنى غريب عن الطريقة الاستنباطية المعروفة، القائمة على تخصيص عمومات القرآن بالسنة وتقييد مطلقاته في أبواب الفقه المختلفة.
على أن مناقشة هذا المبنى تحتاج إلى بحث مستقل في معنى مخالفة القرآن، وحدود حجية السنة في تخصيص عموماته، ولسنا بصدد استيفائه هنا.
وإنما نكتفي بالإشارة إلى أن من يتبنى هذا الأصل لا يكون قد ناقش دلالات روايات الباب، وإنما يكون قد تجاوزها ابتداءً بناءً على أصل منهجي سابق عليها.
أما إذا لم يلتزم بهذا المبنى، فلا بد من دراسة أسانيد الروايات ودلالاتها، والجمع بين معتبرها وبين سائر الأدلة، بدلاً من صرفها جميعاً إلى حوادث تاريخية خاصة من غير قرينة لفظية كافية.
عاشراً: ما هيو «الثوابت» التي يحذر من تحريفها؟
يقول المتكلم:
«فإياكم أن تحرفوا الثوابت، فتنحرفوا عن الحق».
وهذه العبارة قوية الإيقاع، لكنها تحتاج قبل كل شيء إلى تحديد المقصود من «الثوابت».
فإن كان المقصود أن الإسلام شرع الجهاد في سبيل الله، وأن الدفاع عن النفس والمسلمين وبيضة الإسلام مشروع في موارده التي شرعها الله، فهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين، فضلاً عن الإمامية.
أما إذا أريد بالثوابت أن وظيفة الشيعة في عصر الغيبة هي إنشاء مشروع سياسي وعسكري عام، أو أن كل مواجهة تخوضها قيادة دينية أو سياسية معينة تكون جزءاً من مشروع التمهيد للإمام المهدي، فهذا هو عين محل النزاع.
ولا يجوز أن يسلم به ابتداءً، ثم يتهم المخالف بأنه يحرف الثوابت.
إن هذه الدعوى تحتاج إلى دليل من القرآن والسنة، لا إلى مجرد وصفها بأنها من الثوابت.
بل إن الذي نجده في تراث أهل البيت (عليهم السلام) طائفة من النصوص التي تؤكد:
«الزم بيتك».
و:
«كن حلساً من أحلاسه».
و:
«الزم الأرض».
و:
«لا تحرك يداً ولا رجلاً حتى ترى العلامات».
ولا ندعي أن جميع هذه النصوص صحيحة سنداً بدرجة واحدة، أو أنها بلسان واحد، أو أنها تلغي كل عنوان ثانوي من دفاع واضطرار وحفظ للنفس والحرمات.
لكن وجود هذه الطائفة المتكاثرة، على اختلاف أسانيدها وألسنتها، يمنع من التعامل مع إنشاء المشاريع السياسية والعسكرية العامة في عصر الغيبة بوصفه ثابتاً بديهياً لا يقبل النقاش.
فأي الأمرين أولى بأن يطالب صاحبه بالدليل؟
من يتمسك بهذه النصوص ويدعو إلى بحثها وجمعها وفهم حدودها؟
أم من يدعو إلى صرفها عن ظاهرها، ثم يجعل مشروعاً سياسياً معاصراً جزءاً من المشروع المهدوي؟
كما أن مراجعة فقه الإمامية تكشف أن غيبة الإمام المعصوم تركت أثراً واضحاً في أبواب الجهاد والسلطة العامة.
وقد اشتهر بين الفقهاء اشتراط حضور الإمام أو نائبه الخاص في الجهاد الابتدائي، وإن وقع البحث والخلاف في بعض المباني والفروع.
وليس المقصود من الاستشهاد بذلك إدراج كل مواجهة قائمة تحت عنوان الجهاد الابتدائي؛ فإن الخصم قد يرى المواجهة من باب الدفاع، ولكل عنوان حكمه.
وإنما المقصود أن عمومات الجهاد لم تكن في الفقه الإمامي دليلاً كافياً لإثبات كل مشروع قتالي من دون بحث شروطه وموضوعه والولاية عليه وآثاره.
فإذا كان هذا هو شأن البحث الفقهي، فكيف يتحول رأي سياسي وعسكري معاصر إلى «ثابت» يحذر الناس من مناقشته؟
نعم، قد يجتهد فقيه أو قائد في تشخيص موقف معين بوصفه دفاعاً واجباً، وقد يصيب أو يخطئ في تشخيص الموضوع أو تقدير الوسائل والنتائج.
لكن هذا شيء، وتحويل اجتهاده إلى عقيدة مهدوية، وجعل مساره هو التمهيد الذي كلف الله به الشيعة، شيء آخر.
ومن هنا فإن استعمال عنوان «الثوابت» لا يحسم البحث، بل قد يحجب محل النزاع الحقيقي.
لأن المطلوب أولاً هو إثبات أن النصوص تدل على هذا المشروع، أو أن الأدلة الشرعية تمنحه هذه الصفة.
فإذا ثبت بالدليل، أخذنا به في حدوده.
أما أن يسمى ثابتاً قبل إقامة الدليل عليه، ثم يجعل هذا الوصف نفسه دليلاً على صحته، فذلك من المصادرة على المطلوب.
الحادي عشر: هل نحن مأمورون بالتمهيد أم بالانتظار؟
يقول المتكلم:
«في عصرنا نحن ممهدون لصاحب العصر والزمان بجهادنا...».
وهنا نصل إلى أصل المسألة، وإلى الفكرة التي يدور حولها هذا الخطاب كله.
فالمشكلة ليست في الاستدلال بهذه الرواية أو تلك فقط، وإنما في وجود تصور مسبق لوظيفة الشيعة في عصر الغيبة، تفسر على أساسه جميع النصوص.
فإذا افترضنا ابتداءً أن الله تعالى كلف الشيعة بإقامة مشروع سياسي أو عسكري يمهد لظهور الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فسوف تتحول روايات الانتظار والسكون إلى مشكلة لا بد من التخلص منها، إما بحملها على ظروف خاصة، أو بتأويلها، أو بتضعيفها، أو بطرحها بدعوى مخالفة القرآن.
أما إذا بدأنا من النصوص نفسها، وجدنا أن اللغة التي تتكرر في تراث أهل البيت (عليهم السلام) هي لغة:
- الانتظار. - والصبر. - والثبات. - وعدم الاستعجال. - وحفظ الدين. - والتحرز من الفتن والرايات المشتبهة. - وعدم نسبة مشروع إلى الإمام قبل قيام الدليل عليه.
وهذا لا يعني أن الانتظار بطالة، أو تركاً للواجبات، أو انسحاباً من المجتمع، أو امتناعاً عن الدفاع المشروع.
فالمؤمن مأمور في كل عصر بإصلاح نفسه، وأداء تكاليفه، وحفظ دينه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمن شروطهما، والدفاع عن النفس والحرمات في موارده الشرعية، وإعداد نفسه لنصرة الإمام إذا ظهر.
لكن كل ذلك شيء، والقول بأن مشروعاً سياسياً أو عسكرياً معيناً يمثل جزءاً من خطة الإمام الغائب، وأنه يمهد لظهوره، شيء آخر تماماً.
فهذا يحتاج إلى إذن ودليل.
لأن المشروع إذا نسب إلى الإمام لم يعد مجرد اجتهاد بشري يحتمل الخطأ والصواب، بل أصبح مشروعاً منسوباً إلى الدين نفسه.
ومن هنا كان السؤال الذي نكرره:
من أين ثبت أن هذا الطريق بعينه هو الطريق الذي اختاره الإمام لشيعته؟
وأين هو النص الذي يجعل هذه المشاريع جزءاً من وظيفتهم العامة في عصر الغيبة؟
فإن وجد النص واتضحت دلالته، أخذنا به.
وإن لم يوجد، لم يجز لأحد أن ينسب اجتهاده السياسي إلى الإمام، أو يجعل رؤيته جزءاً من المشروع الإلهي.
ولعل أخطر ما في مفهوم «التمهيد» بصيغته المعاصرة أنه يفتح الباب أمام كل حركة وتنظيم وقيادة لأن تقول لأتباعها:
«نحن نمهد للإمام.»
ثم يتحول نجاح المشروع إلى نجاح للدين، وخطؤه إلى أمر يجب الدفاع عنه، ونقده إلى خروج عن الثوابت، والتضحية في سبيله إلى دليل على قدسيته.
مع أن كثرة الأنصار لا تثبت الحق، وضخامة التضحيات لا تحول الاجتهاد البشري إلى وحي، وعدالة بعض الغايات لا تثبت صحة جميع الوسائل والسياسات.
فالأئمة (عليهم السلام) لم يجعلوا عنوان «التمهيد» معياراً مستقلاً للحق، ولم يأمروا شيعتهم بأن يبحثوا في كل عصر عن قيادة تنسب مشروعها إلى الإمام.
وإنما أمروهم بحفظ الدين، والثبات على الولاية، وانتظار أمر الله، وعدم الاستعجال، وعدم تقديم أنفسهم بين يدي الإمام أو نسبة ما لم يأذن به إليه.
ومن هنا كان حديثنا عن عقدنة مفهوم التمهيد.
فالمشكلة ليست في أن يجتهد إنسان فيرى أن موقفاً سياسياً أو عسكرياً معيناً هو الأقرب إلى الصواب.
فالاجتهادات البشرية تصيب وتخطئ، ويجوز مناقشتها في أدلتها ونتائجها.
وإنما المشكلة في أن يتحول هذا الاجتهاد إلى أصل ديني، ثم يقال للناس:
هذا هو مشروع الإمام.
وهذا هو طريق التمهيد له.
ومن خالفه فقد خالف وظيفة الشيعة في عصر الغيبة.
فهذه دعوى كبيرة، ولا يكفي لإثباتها الحماس، ولا كثرة الأنصار، ولا حجم التضحيات، وإنما تحتاج إلى نص واضح وحجة شرعية، ولم يقدم المتكلم في كلامه شيئاً من ذلك.
الثاني عشر: «ولن نكون أحلاس بيوتنا»... مع من يقع الخلاف؟
ويختم المتكلم كلامه بقوله:
«ولن نكون أحلاس بيوتنا».
وهنا ينبغي أن يلتفت القارئ إلى أمر مهم.
إن عبارة «كونوا أحلاس بيوتكم» ليست عبارة أنشأها المعترضون على المشروع السياسي المعاصر، وإنما هي من التعابير الواردة في روايات أهل البيت (عليهم السلام).
وكذلك قولهم:
«الزم الأرض».
وقولهم:
«الزم بيتك».
وقولهم:
«لا تحرك يداً ولا رجلاً حتى ترى العلامات».
فهذه ليست شعارات ابتدعها من يخالف المتكلم، وإنما هي نصوص مروية عن الأئمة (عليهم السلام)، تختلف في أسانيدها ومواردها وألسنتها، لكنها لا يجوز أن تواجه بمجرد إعلان الرفض الخطابي.
وإذا كان المقصود أن هذه الروايات لا تدل على ما نفهمه منها، فليبين ذلك بالدليل العلمي.
وإذا كان المقصود أن بعضها ضعيف سنداً، فليبحث كل نص وفق قواعد علم الحديث.
وإذا كان المقصود أنها معارضة بنصوص أخرى، فلتعرض تلك النصوص كاملة، ثم يجمع بينها وفق الموازين العلمية.
أما أن تبقى هذه الروايات حاضرة في مصادرنا، ثم يقال للناس: لا تأخذوا بظاهرها؛ لأنها وردت في ظروف تاريخية خاصة، من غير أن يدل لفظها على هذا الحصر، ولا أن يقدم نص يصرح بانتهاء حكمها بانتهاء تلك الوقائع، فهذا ليس منهجاً كافياً في التعامل مع كلام أهل البيت (عليهم السلام).
إننا لا ندعو أحداً إلى تبني رأينا لمجرد أننا قلناه.
ولا نطلب من أحد أن يترك ما اعتاده لمجرد أننا ناقشناه.
وإنما ندعو إلى أن تكون الكلمة الأخيرة للنص والدليل.
فإن دل النص على ما نقول، قبلناه.
وإن دل على خلافه، رجعنا عنه.
أما أن نقدم تصوراتنا السياسية المعاصرة، ثم نعيد تفسير النصوص على ضوئها، فذلك يقلب المنهج رأساً على عقب؛ لأن النص يصبح تابعاً للفكرة، بعد أن كان المفترض أن تكون الفكرة تابعة للنص.
وفي ختام هذه الملاحظات، لا ندعي أننا أغلقنا باب البحث في هذه المسألة، ولا أن جميع الروايات الواردة فيها صحيحة سنداً أو واضحة الدلالة بدرجة واحدة، ولا أن العناوين الثانوية من دفاع واضطرار وحفظ للحرمات لا أثر لها في الأحكام.
بل هي قضية علمية تحتاج إلى دراسة الأسانيد، وتحرير الدلالات، والتمييز بين العناوين، والجمع بين النصوص، ومن حق كل باحث أن يناقشها ويوافق أو يخالف.
لكن أقل ما تقتضيه الأمانة العلمية هو:
أن تقرأ النصوص كاملة في سياقاتها.
وأن يميز بين الدفاع المشروع وبين تأسيس مشروع سياسي وعسكري عام منسوب إلى وظيفة الشيعة في عصر الغيبة.
وأن يفرق بين الاجتهاد البشري، ولو كان صادراً عن فقيه أو قيادة دينية، وبين المشروع الذي يجوز نسبته إلى الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
وألا تقتطع الروايات بما يحجب القيود والغايات الواردة فيها.
وألا تحول الآراء السياسية المعاصرة إلى «ثوابت» قبل إقامة الدليل عليها.
وبعد هذا العرض أترك الحكم للقارئ الكريم.
فليقرأ روايات أهل البيت (عليهم السلام).
وليوازن بين ألفاظها ومواردها.
ولينظر:
هل أقام المتكلم دليلاً على أن مشروعاً سياسياً أو عسكرياً معاصراً هو جزء من مشروع الإمام المهدي وتمهيد مأذون به لظهوره؟
أم أنه افترض ذلك ابتداءً، ثم حمل روايات السكون والانتظار على حوادث تاريخية خاصة حتى لا تعارض تصوره السابق؟
وهل قوله:
«لن نكون أحلاس بيوتنا»
جواب علمي عن الروايات؟
أم هو إعلان رفض للمنهج الذي يظهر من ألفاظها قبل مناقشة أسانيدها ودلالاتها والجمع بينها؟
إن كان المتكلم يناقش فهمنا لهذه النصوص، فباب البحث العلمي مفتوح.
أما إذا كان يرفض نفس التوجيهات الواردة فيها، من قبيل:
«الزم بيتك».
و:
«كن حلساً من أحلاسه».
و:
«الزم الأرض».
و:
«لا تحرك يداً ولا رجلاً حتى ترى العلامات».
فإن جوابه لا يعود موجهاً إلينا وحدنا، بل يصبح موجهاً إلى النصوص التي صدرت عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
وأترك الحكم للقارئ الكريم.
والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.
