فالباطل الصريح الفاضح لا يحتاج غالباً إلى كل هذا التحذير والتأكيد والتكرار في كلمات الوحي وأحاديث أهل العصمة، لأن النفوس السليمة تنفر منه بطبعها، والعقول لا تنخدع به بسهولة.
ومن هنا قرر الأصوليون قاعدة دقيقة، وهي أن المطلق قد يشمل الفرد النادر، لكن من المستهجن عرفاً أن يُساق الكلام ابتداءً لبيان حكم فرد نادر لا يكاد يوجد.
فلو قال المولى: «أطع الأمراء»، فإن الإطلاق يشمل الأمير العادل وإن كان نادراً، لكن لا يصح عرفاً أن يكون تمام غرض الخطاب هو خصوص الأمير العادل الذي لا يكاد يُرى بين الأمراء، لأن ذلك خلاف مقتضى البيان الحكيم.
وهذه القاعدة نفسها تفتح لنا باباً مهماً لفهم كثير من النصوص الدينية.
فالله تعالى جعل سورة الفاتحة ركناً يومياً في حياة كل مسلم، يكررها عشرات المرات كل يوم، وفي قلبها هذا الدعاء العظيم: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِم غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِم وَلَا الضَّالِّين﴾.
فهل يعقل أن يكون هذا الابتهال العظيم المتكرر للتحذير من طريقٍ مكشوف الضلال، ظاهر الانحراف، لا يكاد يلتبس على أحد؟
لو كان الأمر كذلك لما انسجم مع هذا التركيز القرآني العجيب.
بل الظاهر أن الخطر الحقيقي هو في الطرق التي تتزين بلباس الهداية، وترفع شعارات الحق، بينما تخفي في باطنها الانحراف عن سبيل الله.
ولهذا لم تكن روايات أهل البيت (عليهم السلام) في تفسير «المغضوب عليهم» و«الضالين» مجرد إشارة إلى اليهود والنصارى بوصفهم مصاديق تاريخية، بل وجهت الأنظار إلى الضلال الذي يتلبس بثوب الإسلام نفسه، وإلى الانحراف الذي ينشأ داخل الأمة تحت عناوين براقة وشعارات جذابة.
ومن هنا أيضاً نفهم سرّ الروايات الكثيرة المستفيضة ـ بل المتواترة معنىً ـ التي حذّرت الشيعة زمن الغيبة من الانجرار خلف كل راية، وأمرت بلزوم الأرض، وأن يكون المؤمن «حِلْسَ بيته»، وأن لا يستعجل قبل العلامات الإلهية المعلومة.
إن حمل هذه النصوص على مجرد التحذير من مدّعٍ صريح للإمامة أو المهدوية لا يبدو منسجماً مع طبيعة التحذير الوارد فيها؛ فإن الدعاوى الفاضحة المكشوفة لا تنطلي عادةً على جمهور المؤمنين حتى يستوجب الأمر كل هذا الإلحاح والتحصين.
وإنما يكمن الخطر الأكبر في الدعاوى المموّهة:
في الرايات التي تتخذ من «الرضا من آل محمد» شعاراً، ومن «يا لثارات الحسين» عنواناً، ثم تجعل الولاء السياسي معيار الحق والباطل، وتحوّل الموقف الحزبي إلى ميزان التولي والتبري.
هناك حيث تصبح الإمامة الحقيقية للإمام المعصوم مجرد عنوان اعتقادي محفوظ في الكتب، بينما تُمنح الطاعة العملية والقيادة الفعلية لغيره.
هناك حيث يُوالى الإنسان أو يُعادى لا على أساس الحق والباطل الشرعي، بل على أساس الاصطفاف السياسي والانتماء التنظيمي.
حتى يبلغ الأمر أحياناً أن يُحتضن صاحب الانحراف الفكري إذا وافقهم في مشروعهم، ويُطعن في أهل العلم والفضل إذا خالفوا اندفاعهم أو ناقشوا مشاريعهم بعين الشرع والعقل والواقعية.
إن أخطر الفتن ليست تلك التي تقول للناس صراحة: اتركوا الدين.
بل تلك التي تدخل عليهم من بوابة الدين نفسه، وتخدعهم بالشعارات المقدسة، والعناوين العاطفية، والحماس الذي يطغى على البصيرة. والنجاة يومئذ ليست بكثرة الشعارات، بل بثبات الميزان، والرجوع إلى أهل العلم والبصيرة، وعدم تقديم العاطفة السياسية على الضوابط الشرعية.
فالفتنة كلما كانت أشد شبهاً بالحق، كانت أشد خطراً على أهل الحق.
