من أكثر الظواهر لفتاً للنظر في الخطاب المهدوي المعاصر أن مصطلح «التمهيد للظهور» أصبح عند كثير من الناس من المسلّمات التي لا تحتاج إلى برهان، حتى كاد يطغى على المصطلح الذي ملأت الروايات بذكره، وهو «الانتظار».
وهنا يبرز سؤال منهجي بسيط، لكنه عميق جداً:
لماذا نجد عشرات الروايات تقول: «أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج». «أفضل عبادة المؤمن انتظار فرج الله». «انتظار الفرج من الفرج». «أفضل جهاد أمتي انتظار الفرج».
ولا نجد في المقابل رواية واحدة تقول: أفضل الأعمال التمهيد. أفضل العبادة التمهيد. أفضل الجهاد التمهيد.
فهل هذا الغياب مجرد مصادفة؟
أم أنه يكشف عن أن أهل البيت (عليهم السلام) أرادوا جعل الانتظار عنواناً مركزياً لوظيفة المؤمن في عصر الغيبة؟
–الإشكالية المنهجية في موسوعة التمهيد
بعد مراجعة الأجزاء الثلاثة من موسوعة «التمهيد للإمام المهدي» يظهر أن المشروع لا يقتصر على جمع الروايات المتعلقة بما قبل الظهور، بل يسعى إلى بناء نظرية متكاملة في "التمهيد".
فالموسوعة لا تتحدث عن: التهيؤ الفردي. إصلاح النفس. انتظار الفرج. فحسب.
بل تتحدث عن: إعداد القوة. بناء الوعي الجماهيري. التغيير الحضاري. المواجهة الإعلامية. بناء المؤسسات. المشروع السياسي العالمي. صناعة الظروف المناسبة للظهور.
وبعبارة أخرى: إن التمهيد في الموسوعة ليس حالة إيمانية فردية او مجتمعية، بل مشروع عالمي شامل.
وهنا يبدأ محل النزاع:
هل أثبتت الموسوعة أن هذا المشروع هو فعلاً ما أراده أهل البيت (عليهم السلام) لشيعتهم في عصر الغيبة؟
أين التمهيد في تراث الغيبة المبكر؟
وهنا يبرز سؤال آخر أكثر إحراجاً:
إذا كان التمهيد هو العنوان المركزي لوظيفة الشيعة في عصر الغيبة، فلماذا لا نجده كذلك في التراث الإمامي المبكر؟
لماذا ألّف النعماني كتابه في الغيبة ولم يجعل محوره التمهيد؟
ولماذا ألّف الصدوق كتاب كمال الدين ولم يجعل باباً
بعنوان "فضل التمهيد"؟
ولماذا ألّف الشيخ الطوسي كتاب الغيبة ولم يجعل مركز البحث فيه مشروع التمهيد؟
بل لماذا نجد المحاور المتكررة في هذه الكتب كلها هي: الغيبة. الامتحان. التمحيص. الصبر. الثبات. الانتظار. التحذير من الاستعجال. التحذير من الوقاتين. التحذير من الدعاوى.
إن هذا السؤال وحده كفيل بأن يدفع الباحث إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات المتداولة اليوم.
المشكلة الحقيقية في عصر الغيبة
وهنا نصل إلى النقطة التي أرى أن الموسوعة لم تعطها حقها من العناية.
فإن الروايات حين تتحدث عن عصر الغيبة لا تصوره بوصفه أزمة غياب الدولة.
ولا بوصفه أزمة غياب المشروع السياسي.
ولا بوصفه أزمة نقص القوة.
بل تصوره بوصفه أزمة إيمانية.
إن الخطر الذي تكرر التحذير منه هو: طول الأمد. الاستعجال. اليأس. الارتداد. الوقوع في الدعاوى الكاذبة.
قال الإمام الكاظم (عليه السلام): «إذا فُقد الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم، لا يزيلكم عنها أحد... إنما هي محنة من الله عز وجل امتحن بها خلقه».
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «إن لصاحب هذا الأمر غيبة، فليتق الله عبد، وليتمسك بدينه».
وقال (عليه السلام): «أما والله ليغيبن إمامكم سنيناً من دهركم... فلا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه، وكتب في قلبه الإيمان».
إن مركز الثقل هنا ليس التمهيد. بل الثبات. وليس الحركة. بل التمسك بالدين. وليس صناعة الظهور. بل عدم السقوط في الفتنة أذا تأخر.
الصبر والانتظار في مقابل الاستعجال
لعل أكثر ما يلفت النظر في النصوص المهدوية أن الحديث عن الانتظار يقترن دائماً بالحديث عن الصبر.
ويقترن الحديث عن الظهور بالتحذير من الاستعجال.
فقد ورد: «هلك المستعجلون». وورد: «هلكت المحاضير». وورد: «كذب الوقاتون».
وجاء في خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام): «الزموا الأرض، واصبروا على البلاء، ولا تحركوا بأيديكم وسيوفكم في هوى ألسنتكم، ولا تستعجلوا بما لم يعجله الله لكم».
وجاء عن الإمام الصادق (عليه السلام): «ما خرج ولا يخرج منا أهل البيت إلى قيام قائمنا أحد ليدفع ظلماً أو ينعش حقاً إلا اصطلمته البلية، وكان قيامه زيادة في مكروهنا وشيعتنا».
ثم انظر إلى ما فهمه الشيخ النعماني ـ وهو من أعلام القرن الرابع الهجري ـ من مجموع هذه النصوص، حيث قال: «انظروا رحمكم الله إلى هذا التأديب من الأئمة (عليهم السلام)، وإلى أمرهم ورسمهم في الصبر والكف وانتظار الفرج، وذكرهم هلاك المحاضير والمستعجلين وكذب المتمنين، ووصفهم نجاة المسلمين، ومدحهم للصابرين الثابتين...».
وهذا النص يكاد يلخص نظرية أهل البيت (عليهم السلام) في عصر الغيبة كلها.
إخبار أم تكليف؟
تعتمد موسوعة التمهيد بصورة أساسية على طائفة من الروايات التي تتحدث عن: قوم يوطئون للمهدي سلطانه. رايات من المشرق. أنصار يسبقون الظهور. حركات تمهد للدولة المهدوية.
غير أن الموسوعة انتقلت من هذه الروايات إلى نتيجة أكبر منها بكثير.
فالروايات تخبر.
أما الموسوعة فتكلف.
الروايات تتحدث عن وقوع أحداث.
أما الموسوعة فتجعل تلك الأحداث مشروعاً عاماً للأمة.
والفارق بين الأمرين جوهري. فالإخبار عن وقوع شيء لا يساوق الأمر بإيجاده.
كيف والروايات نفسها تحدثت عن اليماني الذي يسبق الظهور بقليل، وأن رايته أهدى راية، ومع ذلك لم تجعل وظيفة الشيعة الالتحاق بمشروع تمهيدي قبله، بل ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «لو أدركته لاستبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر».
ومن هنا فإن الحلقة المفقودة في الاستدلال هي إثبات الانتقال من الإخبار إلى التكليف.
وهو ما لم تستطع الموسوعة البرهنة عليه بصورة مقنعة.
من الانتظار إلى الحركية
يكشف تحليل الخطاب العام للموسوعة عن انتقال واضح من المفهوم الروائي للانتظار إلى مفهوم حركي جديد.
فالانتظار في الروايات يدور حول: الإيمان. الصبر. المعرفة. الثبات. التمسك بالدين.
أما التمهيد في الموسوعة فيدور حول: التغيير الحضاري. بناء القوة. الإعداد السياسي. المواجهة الإعلامية. تشكيل البيئة المناسبة للدولة المهدوية.
وهذا التحول ليس مجرد تطوير لمفهوم الانتظار.
بل هو إعادة تعريف كاملة لوظيفة المؤمن في عصر الغيبة.
ومن هنا يمكن القول: إن الموسوعة لم تستخرجع مفهوم التمهيد من النصوص بقدر ما أعادت قراءة النصوص من خلال مفهوم التمهيد.
الظهور بين الوعد الإلهي والمشروع البشري
إن أخطر ما يترتب على نظرية التمهيد بصيغتها الحركية أنها تنقل الظهور ـ ولو من دون شعور ـ من كونه وعداً إلهياً إلى كونه نتيجة لمسار بشري.
بينما تؤكد النصوص أن الظهور من سنخ الوعد الإلهي.
قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾. وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. وقال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.
فالفاعل دائماً هو الله. والوعد وعد الله. والإنجاز إنجاز الله.
أما وظيفة المؤمن فهي الثبات على التصديق بهذا الوعد حتى يتحقق.
ولهذا شبّهت الروايات أمر القائم بالساعة. والساعة لا يصنعها الناس. ولا يعجلونها. ولا يملكون تقريب موعدها.
خلاصة واستنتاج
إن المشكلة ليست في استعمال لفظ "التمهيد"، ولا في الدعوة إلى إصلاح النفس أو إعداد المؤمن لنصرة إمامه.
وإنما المشكلة في تحويل "التمهيد" إلى عنوان مركزي يزاحم ما جعله أهل البيت (عليهم السلام) محوراً لعصر الغيبة.
لقد ملأت النصوص هذا العصر بذكر: الصبر. الثبات. التقية. التمسك بالدين. انتظار الفرج.
وملأته بالتحذير من: الاستعجال. التوقيت. الدعاوى. الخروج قبل الأوان.
ولذلك فإن من أراد أن يحدد وظيفة الشيعة في عصر الغيبة فليبدأ من حيث بدأ أهل البيت (عليهم السلام)، لا من حيث انتهت إليه الأدبيات الحركية المعاصرة.
فالظهور وعد الله.
وأما وظيفتنا فهي انتظار وعد الله.
والظهور أمر السماء.
وأما تكليفنا فهو الثبات على الأرض حتى يأذن الله بأمره.
وقد صدق أمير المؤمنين (عليه السلام): «الزموا الأرض، واصبروا على البلاء، ولا تستعجلوا بما لم يعجله الله لكم».
