[ولا بأس بالتنبيه:]
أولاً: إلى ان المنهجية العلمية الصحيحة تقتضي التفريق بين التحقيق التاريخي، وبين الاستنباط الحديثي والأصولي والفقهي، فلكل علم أهله وأدواته ومنهجه.
وثانيا: إلى انه ليس الفضاء الأزرق مساحة لطرح بحث فقهي تفصيلي حول هذا الموضوع الشائك، حيث قد لا يقدر على فهمه كثير من طلبة العلم من غير ذوي الاختصاص، فضلا عن العوام.
ولكن هذا لا يمنع من ان نشير الى أبرز نقاط الضعف العلمي المنهجية في هذه المعالجات المعاصرة بنظرنا، ويمكن تلخيصها في الآتي:
١ - التعامل التجزيئي مع الروايات
حيث تناقش الروايات واحدةً واحدة سنداً ودلالة، مع أن القضية في حقيقتها ليست قائمة على خبر منفرد، بل على حالة تراكمية قريبة من التواتر الإجمالي أو المعنوي.
فهناك عشرات النصوص من طرق متعددة، وبألسنة متنوعة: «كل راية ترفع قبل قيام القائم…» «الزموا بيوتكم» «هلك المحاضير» «لا تخرجوا» «اسكنوا ما سكنت السماء والأرض» «من خرج منا قبل القائم…» إلى غير ذلك.
ومع هذا الكمّ، يصبح الاقتصار على إسقاط بعض أسانيد بعض الروايات وتأويل بعضها الآخر غير كافٍ لإسقاط المدلول العام المستفاد من مجموع النصوص.
٢ - التوسّع في التأويل بلا قرينة كافية
فهم يحملون أكثر الروايات على: خصوص مدّعي المهدوية، أو خصوص الخارجين من العلويين، أو الفتن المشتبهة، أو الوقائع الخاصة المنقضية.
لكن هذا الحمل يحتاج إلى قرائن واضحة؛ لأن ظاهر كثير من النصوص أوسع من ذلك، خصوصاً الروايات التي تتحدث عن: «كل راية»، و«كل خروج»، و«كل من خرج قبل القائم»، و(حتى قيام قائمنا).
والقاعدة الأصولية أن التخصيص خلاف الظاهر ويحتاج إلى مقيّد معتبر.
٣ - الخلط بين النهي عن الثورة المسلحة وبين تعطيل الدين مطلقاً
فهم يصوّرون أن القول بعدم مشروعية القيام المسلح قبل الظهور يساوق تعطيل الإسلام بالكامل، مع أن هذا ليس لازماً.
إذ يمكن التفكيك بين: إقامة أصل الدين، وإدارة شؤون المجتمع إن أمكن، وبين تأسيس دولة عالمية بالسيف ورفع راية حكم شامل.
فالفقهاء المتقدمون الذين تحفظوا تجاه الخروج المسلح لم يكونوا يقولون بتعطيل: القضاء، أو الحسبة، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الدفاع المشروع.
بل كانوا يفرّقون بين ذلك كله وبين مشروع «الثورة المسلحة لإقامة الدولة».
٤- عدم إعطاء الوزن الكافي للروايات المادحة للصبر والانتظار
فهم يتعاملون مع الروايات الآمرة بانتظار الفرج ولزوم التقية وعدم منازعة الحكام على سلطانهم وكون زمن الغيبة زمن هدنة و..
كأنها مجرد توجيهات أمنية ظرفية، بينما ظاهر بعضها بل اكثرها تأسيس موقف عام في عصر الغيبة، يقوم على: عدم الاستعجال، وعدم التعرض للمواجهة المسلحة، وانتظار تحقق الشروط الإلهية الخاصة بالظهور.
وهذا المعنى يتكرر بشكل لافت في الروايات، بحيث يصعب اختزاله في ظروف سياسية عابرة.
٥ - التعامل الانتقائي مع روايات المدح لبعض الرايات
حيث يستدلون بروايات اليماني وأهل قم والرايات المشرقية لإثبات مشروعية كل قيام قبل الظهور، مع أن هذه الروايات نفسها استثنائية ومحددة، بل بعضها من علائم الظهور الخاصة، فلا يصح جعلها ناسخة أو مفسرة لكل الطائفة الناهية.
بل يمكن أن يقال: إن وجود استثناءات خاصة يؤكد أصل القاعدة، لا أنه يهدمها.
٦ - إقحام البعد السياسي المعاصر في تفسير النصوص
حيث يظهر في البحث بوضوح وجود هاجس الدفاع عن شرعية «الدولة الإسلامية في زمن الغيبة»، مما دفع إلى إعادة تفسير كثير من النصوص باتجاه ينسجم مع هذه النتيجة المسبقة.
وهذا لا يعني بالضرورة سوء نية، لكنه قد يؤدي إلى نوع من القراءة التوجيهية للنصوص، حيث تُحمَّل الروايات ما تحتمله بصعوبة من أجل التوفيق بينها وبين خيار سياسي أو عقدي معاصر.
