لا يخفى ما يحتله الإمام الحسين (عليه السلام) من مكانة عظيمة في وجدان أتباع أهل البيت (عليهم السلام)؛ فهو سيد الشهداء، ومصباح الهدى، وسفينة النجاة، وقد مثّلت نهضته المباركة واحدة من أعظم المحطات في تاريخ الإسلام.
غير أن تعظيم الإمام الحسين (عليه السلام) شيء، وتحويل قراءة مخصوصة لنهضته إلى أصل عقدي جديد، يُعاد على أساسه تفسير الدين، ومعايير الولاء والبراءة، ووظيفة الشيعة في زمن الغيبة، شيء آخر تمامًا.
وهذا التحول هو ما بدأت تبرز إرهاصاته في بعض الخطابات الدينية والسياسية المعاصرة، حتى صار الموقف من قوى الاستكبار العالمي معيارًا للحسينية، ولصدق الانتماء إلى الإمام الحسين (عليه السلام).
ومن هنا لا يعود الكلام متعلقًا بموقف سياسي عابر، بل بتحول يمس بنية التفكير الديني نفسه.
لا صلح حسني لدينا، بل ستتكرر عاشوراء
قال السيد علي الخامنئي في كلمة ألقاها في طهران بتاريخ 22 نيسان/أبريل 2000م(1):
«اليوم... لا أمريكا ولا من هو أكبر من أمريكا يستطيعون أن يفرضوا على العالم الإسلامي حادثة كحادثة صلح الإمام الحسن، وإذا أكثر العدو من الضغط هنا، فستقع حادثة كربلاء».
ثم شاع بعد ذلك في الأدبيات السياسية الإيرانية شعار:
«ما صلحِ حسنی نداریم؛ عاشورا تکرار خواهد شد».
أي:
«لا صلح حسني لدينا، بل ستتكرر عاشوراء».
والسؤال: ما معنى أن أحدًا لن يستطيع أن يفرض علينا «حادثة كحادثة صلح الإمام الحسن»؟
إن أريد أن الإمام الحسن (عليه السلام) صالح معاوية لأنه لم يكن قد انكشف له ما سينتهي إليه الصلح، بينما كشفت لنا التجربة التاريخية حقيقة هذا النمط من الأعداء، فهذا لا ينسجم مع العقيدة الإمامية؛ لأنه يحول الصلح من تكليف إلهي صدر عن إمام معصوم عالم بمآلات الأمور إلى تجربة سياسية ناقصة، ثم يجعل المتأخرين أبصر من الإمام بعواقبها.
وإن أريد أن الحرب والصلح تابعان للظروف، وأن ظروف الحاضر تقتضي المواجهة، فهذا تقدير سياسي وعسكري قابل للصواب والخطأ، ويكفي فيه أن يقال: إن ظروفنا تختلف عن ظروف الإمام الحسن (عليه السلام).
لكن ظاهر الخطاب لا يكتفي بإثبات اختلاف الظروف، بل يجعل «حادثة صلح الإمام الحسن» نفسها هي الحادثة التي ينبغي منع تكرارها، ويضع في مقابلها كربلاء.
أما الشعار اللاحق فهو أشد إشكالًا؛ لأنه يضعنا أمام مدرستين متقابلتين: مدرسة الحسن ومدرسة الحسين، ثم يدعونا إلى الانحياز إلى إحداهما.
مع أن الإمام الحسين (عليه السلام) نفسه التزم بصلح أخيه عشرين سنة: عشرًا في حياة الإمام الحسن، وعشرًا بعد انتقال الإمامة إليه، مع انكشاف حقيقة معاوية وإخلاله ببنود الصلح.
ولو كان اختلاف موقف الإمامين ناشئًا من اختلاف المبادئ، لكان أولى الناس بنقض صلح الإمام الحسن هو الإمام الحسين نفسه.
أما وقد لم يفعل، علمنا أنهما لم يكونا يمثلان مشروعين متقابلين، وإنما كانا يجسدان دينًا واحدًا وإمامة واحدة، تختلف فيها الوظيفة باختلاف الظرف، لا باختلاف المبدأ.
من إعادة قراءة التاريخ إلى إعادة تعريف الحسينية
قال المتكلم في الفيديو المرفق:
«هؤلاء لا ينتمون إلى الحسين... الذي يخاف من تغريدة ترامب لا يدّعي أنه حسيني... أنا يحيى السنوار عندي حسيني، الذي قال: إما أن ننتصر أو فلتكن كربلاء... ولكن إذا كان هناك شخص بالاسم حسيني، ولكنه يركع لأمريكا ويخاف من أمريكا، فهذا ليس حسينيًا».
وهنا لم تعد الحسينية قائمة على الإيمان بإمامة الحسين (عليه السلام)، وموالاته والبراءة من أعدائه، والالتزام بالدين الذي استشهد من أجله، بل غدت هوية سياسية تُمنح لمن يحمل السلاح في وجه قوى معينة، وتُسلب ممن يرى أن التكليف يقتضي المهادنة أو تجنب المواجهة.
وبذلك يمكن أن يصبح الإنسان «حسينيًا» وإن لم يكن إماميًا، بل وإن كان من بيئة عقدية تناصب مذهب أهل البيت العداء، ما دام يقاتل عدوًا يصنفه المتكلم ضمن قوى الاستكبار.
وفي المقابل، قد يُسلب هذا العنوان عن المؤمن الإمامي الذي يوالي الإمام الحسين ويعتقد بإمامته، لمجرد أنه يرى أن موازين القوى لا تسمح بالحرب.
وهنا تتجلى المشكلة العقدية؛ إذ لم يعد معيار الانتساب إلى الحسين هو الإمامة، بل الموقف السياسي.
وهذا ما يمكن التعبير عنه ـ على سبيل الوصف ـ بـ«المذهب الحسيني»: لا بمعنى الانتساب الصحيح إلى الإمام الحسين، فهو من صميم التشيع، بل بمعنى طريقة في قراءة الدين تجعل خاتمة موقفه من بيعة يزيد، ولا سيما فاجعة الطف، العدسة التي يُعاد من خلالها تفسير الدين كله، ومعايير الولاء والبراءة، ووظيفة الشيعة في عصر الغيبة.
وهذا التصور يقوم على ثلاثة اختزالات:
الاختزال الأول: اختزال المذهب الإمامي في الإمام الحسين
لكن المذهب الإمامي لا يقوم على الانتساب إلى إمام دون سائر الأئمة، ولا على اختيار الموقف الذي يوافق مزاجنا السياسي، وإنما على التسليم لجميع الأئمة؛ لأنهم حجج الله، ويتحرك كل واحد منهم وفق التكليف الإلهي.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
«الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا».
فجعل مناط الاتباع هو الإمامة، لا القيام ولا القعود.
كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إمامًا حين صبر وكف يده خمسًا وعشرين سنة، كما كان إمامًا حين قاد حروب الجمل وصفين والنهروان.
وكان الإمام الحسن (عليه السلام) من أبطال تلك الحروب، ثم كان هو نفسه صاحب الصلح مع معاوية.
وكان الإمام الحسين (عليه السلام) هو نفسه الذي التزم بصلح أخيه عشرين سنة، ثم رفض بيعة يزيد حين أصبحت بيعته غطاءً لتزوير الدين وإضفاء الشرعية على الحكم الأموي.
فالذي تغيّر لم يكن المبدأ، وإنما الوظيفة. ولم يتغير التكليف، وإنما موضوعه.
ولهذا لا يعرف المذهب الإمامي «حسنية» في مقابل «حسينية»، ولا «عليًا صابرًا» في مقابل «علي مجاهد»، وإنما يعرف أئمة معصومين تجب طاعتهم في جميع مواقفهم.
الاختزال الثاني: اختزال الإمام الحسين في موقفه من بيعة يزيد
لا ريب أن رفض بيعة يزيد كان من أعظم مواقف الإمام الحسين (عليه السلام)، لكنه لم يكن كل حياته ولا كل ما مثله من عبودية وتسليم لله.
فقد عاش أكثر من خمسين سنة قبل واقعة الطف، ثم انتقلت إليه الإمامة بعد شهادة أخيه، فبقي نحو عشر سنوات في عهد معاوية ملتزمًا بالصلح.
ولم يكن ذلك تعطيلًا لمشروعه أو نقصًا في «حسينيته»، بل كان عين ما اقتضته الإمامة في ذلك الظرف؛ لأن مصلحة الإسلام وحفظ البقية الباقية من أهل الحق لم تكن تقتضي فتح مواجهة تنتهي إلى استئصالهم من دون تحقق الغرض الإلهي.
فالحسينية ليست اسمًا للحظة واحدة من حياة الإمام، وإنما هي اسم لطاعته لله في جميع أطوار حياته.
الاختزال الثالث: اختزال موقفه من بيعة يزيد في فاجعة الطف
لم يبدأ موقف الإمام الحسين من يزيد يوم عاشوراء.
بدأ في المدينة حين رفض البيعة، ثم خرج إلى مكة، وخاطب الأمة، وتلقى كتب أهل الكوفة، وأرسل مسلم بن عقيل، وتابع الأحداث وفق ما استجد من ظروف.
فكان رفض البيعة مسارًا ممتدًا لإقامة الحجة وكشف حقيقة الحكم الأموي، لا قرارًا عسكريًا لحظيًا.
ومع علم الإمام بما سينتهي إليه أمره، لم يبدأ بإشهار السيف، ولم يجعل القتال وسيلته الأولى، حتى أغلقت السلطة في وجهه جميع السبل، ولم تترك له إلا البيعة أو القتل.
وهنا لم يعد الأمر بين حياة وموت مجردين، بل بين أن يعيش الحسين وتُختم ببيعته وثيقة تزوير الدين، وبين أن يُقتل الحسين ويبقى الدين وتقوم الحجة.
فكان الأمر بين خيارين:
إما أن يعيش الحسين ويموت الدين، وإما أن يموت الحسين ويبقى الدين.
فلم تكن فاجعة الطف بداية موقفه، بل خاتمته، ولم تكن المواجهة العسكرية أصل مشروعه، بل آخر مراحله بعد انسداد السبل.
ومن هنا لا يجوز اقتطاع الحلقة الأخيرة من هذا المسار وتحويلها إلى قاعدة عامة تفسَّر بها وظيفة المؤمنين في كل عصر.
فالاقتداء بالإمام لا يكون بتكرار الصورة الخارجية لموقفه، بل بطاعة التكليف الإلهي الذي كان يحكم جميع مواقفه.
حين تتحول الحسينية إلى دعوة دائمة للحرب
لم يبق هذا التصور حبيس التنظير، بل انتهى بالمتحدث إلى الدعوة إلى «ثورة عشرين» جديدة، تخرج فيها الحوزة بمراجعها وعلمائها، ويخرج فيها شيعة العراق جميعًا، لتطهير البلد من كل وجود أمريكي سياسي أو اقتصادي أو عسكري.
وهنا تبلغ الفكرة مداها الطبيعي:
فإذا أعيد تعريف الحسينية على أساس الحرب، صار كل من يتوقف عنها متهمًا بالخوف أو التقصير أو الخروج عن نهج الحسين.
لكن إثبات ظلم العدو شيء، وإثبات وجوب الحرب عليه شيء آخر.
فليس كل ظلم يوجب الحرب، ولا تكفي عدالة القضية لإثبات صحة كل مواجهة.
بل لا بد من تشخيص التكليف، وإحراز القدرة، وموازنة المصالح والمفاسد، والنظر في النتائج المتوقعة.
كما أن التجارب المعاصرة لا تسمح بتقديم المواجهة المفتوحة بوصفها خيارًا ثبتت أرجحيته دائمًا، بعد ما خلّفته تلك المواجهات من خسائر بشرية وعمرانية واقتصادية هائلة.
وهذه النتائج لا تثبت أن خيارًا آخر كان سيمنع جميع الكوارث، لكنها تمنع من تصوير الحرب بوصفها الطريق الوحيد الذي لا يجوز التفكير في بدائله.
وقد يكون حفظ ما يمكن حفظه، وتقليل الخسائر، ومنع استئصال الجماعة، أقرب إلى التكليف من اندفاع عسكري لا تتوافر له شروط النجاح.
أما استدعاء ثورة العشرين، فلا يمنح تلقائيًا الشرعية لدعوة معاصرة؛ لأن العبرة ليست بتشابه الشعارات، بل بوحدة الموضوع والظروف والتكليف.
كما أن الحوزة ليست قوة عسكرية تستنفرها خطبة، والمراجع ليسوا تابعين لتقدير سياسي واحد. فلكل فقيه مسؤوليته في تشخيص الحكم والموضوع والقدرة والنتائج، ولا يجوز اختزال موقف المرجعية في معادلة:
«إما أن تدعو إلى الحرب، وإما أنها تخاف من أمريكا».
السؤال الغائب عن خطاب الحرب
من يملك حق تشخيص أن الحرب أصبحت واجبة شرعًا؟
ومن يملك حق إدخال شعب كامل فيها؟
وهل تتوافر القدرة الحقيقية على خوضها؟
ومن يتحمل مسؤولية الدماء والخراب إذا انتهت إلى إضعاف البلاد بدل إنقاذها؟
فبين إثبات ظلم العدو وإثبات وجوب الحرب عليه مسافة طويلة من البحث الشرعي، وتشخيص الموضوع، وموازنة المصالح والمفاسد.
ومن يتجاوز هذه المراحل بالشعارات، ثم يطالب الأمة بتقديم الدماء، لا يكون قد أثبت تكليفًا شرعيًا، وإنما حمّلها تبعات اجتهاده السياسي.
وأصل الخطأ منهجي قبل أن يكون سياسيًا؛ فالوقائع التاريخية ومواقف المعصومين لا تتحول تلقائيًا إلى قواعد عامة، بل تُفهم في ضوء موضوعاتها وظروفها ومجموع النصوص الواردة عنهم (عليهم السلام).
فإذا انتُزع موقف واحد من سياقه، ثم جُعل أصلًا يُحكّم على النصوص أجمعه ويفسَّر على اساسه الدين كله، صار الفرع أصلًا، والاستثناء قاعدة، والتكليف الخاص وظيفة عامة.
وهذا ما يقع حين تُجعل خاتمة نهضة الإمام الحسين المنظار الذي يُقرأ من خلاله الدين كله.
🔹الخاتمة
بدأ الأمر بقراءة صلح الإمام الحسن بوصفه حادثة لا ينبغي أن تتكرر، ثم تحولت كربلاء إلى عدسة يفسَّر من خلالها الدين، ثم صار الموقف من الحرب معيارًا للحسينية، ثم انتهى الأمر إلى الدعوة إلى مواجهة عامة بوصفها وظيفة الشيعة في عصر الغيبة.
لكن المذهب الإمامي لا يقوم على اختيار موقف واحد من حياة أحد الأئمة وجعله الوظيفة في كل زمان ومكان، وإنما على التسليم للأئمة جميعًا، واتباع كل إمام فيما قام به من وفيما يحدده من وظيفةلمأموميه.
فالتشيع الإمامي لم يكن يومًا مذهب الحرب، ولا مذهب الصلح.
ولم يكن مذهب الحسن وحده، ولا مذهب الحسين وحده.
بل كان، وسيبقى، مذهب الإمامة.
فالميزان في التشيع الإمامي ليس صورة الموقف، وإنما الوظيفة الشرعية الإلهية التي يحددها الإمام المعصوم لأهل زمانه في كل ظرف. ____ (1) أُلقي هذا الكلام في كلمةٍ للسيد علي الخامنئي في طهران بتاريخ 22 نيسان/أبريل 2000م، في لقاء مع جمعٍ من مسؤولي النظام والجماهير بمناسبة ذكرى استشهاد الإمام جعفر الصادق (عليه السلام). وجاء في النص الفارسي: «امروز آمريكا و بالاتر از آمريكا هم نمىتوانند حادثهاى مثل حادثهى صلح امام حسن(ع) را بر دنياى اسلام تحميل كنند؛ اگر فشار دشمن بيشتر شود، حادثهى كربلا اتّفاق خواهد افتاد.» المصدر: الموقع الرسمي لمكتب حفظ ونشر آثار الإمام السيد علي الخامنئي، كلمة بتاريخ 22 نيسان/أبريل 2000م، كما أُعيد نشر هذا المقطع في كتاب «إنسان 250 ساله» (إنسان الـ250 سنة) ضمن الكلمات المتعلقة بسيرة الأئمة (عليهم السلام).
