لقد انقسم الناس في فهم تضحية الحسين (عليه السلام) بنفسه وأهل بيته وأصحابه في كربلاء منذ القرون الأولى إلى اتجاهين متباينين:
- اتجاهٍ نظر إليها بعين السياسة المجردة، فرأى فيها مشروعاً بشرياً أراد به الحسين (عليه السلام) انتزاع السلطة، معتمداً على وعود أهل الكوفة، ومراهناً على تبدل الموازين، ثم انتهى ـ بحسب هذا التصور ـ إلى الفشل بسبب سوء تقدير الواقع، وغلبة خصومه، وخذلان أنصاره.
وعلى هذا الأساس فسّروا نصائح المتحفظين له، وعدّوا ما جرى نتيجة طبيعية لحسابات أخطأت إصابة الواقع.
- واتجاهٍ آخر ـ وهو الذي تبنته مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ـ رأى أنها لم تكن حركة سياسية عادية، ولا مغامرة عسكرية خاضعة للمقاييس المادية المحضة، بل كانت مشروعاً إلهياً أُريد له أن يقع بكل مآسيه وآلامه، ليؤدي دوراً عظيماً في حفظ الدين، وكشف زيف الأمة، وإقامة الحجة على الخلق، ورسم الطريق للأجيال.
وعلى هذا الفهم لا يكون الحسين (عليه السلام) طالب ملكٍ غلبه خصومه، بل إماماً معصوماً نفّذ تكليفاً إلهياً بعينٍ مفتوحة على المصير، مدركاً لما ينتظره من شهادة وسبي وتضحية، كما أدرك النبي (صلى الله عليه وآله) حكمة الحديبية حين عجز غيره عن فهمها، وكما أدرك الحسن بن علي (عليهما السلام) سرّ الصلح يوم ضاقت عقول كثير من الناس عن استيعابه.
ومن هنا لا تُفهم واقعة الطف على حقيقتها إلا إذا نُزعت منها القراءة السطحية التي تحصرها في حدود الصراع على الحكم، وأُعيدت إلى موقعها الحقيقي بوصفها مشروعاً إلهياً قصد ـ فيما قصد ـ إلى كشف طبيعة المجتمع، وبيان حدود القدرة البشرية في مواجهة الانحراف العام، وتمهيد الأمة لمرحلةٍ يكون فيها حفظ أصل الدين مقدّماً على المغامرات العسكرية، وانتظار الفرج الإلهي أوعى من الاندفاعات العاطفية.
وذلك من خلال الكشف عن أنّ المجتمع إذا استحكم فيه الفساد، واستولى عليه الهوى، وخضعت جماهيره للخوف والطمع، تعذّر فيه قيام العدل الكامل، ولو كان القائم به في عظمة الحسين (عليه السلام)، وفي طهارته، وسموّ هدفه، ووضوح حجته، لأن أكثر الناس أسرى دنياهم، يتحمسون ساعة العاطفة، ثم ينكصون عند البلاء.
ومن هنا أفهم أئمة أهل البيت (عليهم السلام) خواص شيعتهم أن طريق الإصلاح بعد فاجعة الطف ليس بالمغامرات العسكرية، ولا الاندفاعات العاطفية، ولا طلب إقامة دولة العدل الإلهي مع عدم تهيؤ الظروف الموضوعية لذلك.
بل طريق الإصلاح إنما يكون بحفظ الدين وأحكامه وتعاليمه، وصيانة البقية المؤمنة، وبناء الإنسان المؤمن، والعمل بالتقية حيث تقتضي الحكمة، وانتظار اليوم الذي يأذن الله فيه بقيام دولة العدل الإلهي على مهدي آل محمد (عليهم السلام).
ولذلك صار شعار الأئمة (عليهم السلام) بعد كربلاء الصبر وانتظار الفرج، لا التورط في ثورات تنتهي غالباً إلى استئصال أهل الحق، أو انحراف الحركة عن أهدافها بعد الظفر.
وكانوا (عليهم السلام) يرون أن الإصلاح الممكن هو تخفيف الفساد، وكبح جماح الانحراف، وإقامة الحجة، وحفظ خط الإيمان من الانقراض، لا ادعاء القدرة على مقارعة شياطين الارض واستئصال الفساد وإقامة دولة العدل الإلهي على الأرض في زمن تغلب فيه الأهواء وتتكالب فيه قوى الباطل، فإن في ذلك تغريرا بالبقية الباقية من اهل الحق وتعريضاً لهم إلى الهلاك.
ومن هنا كانت فاجعة الطف من أكثر الوقائع تعرضاً للتحريف في فهم أهدافها واستثمارها.
إذ تحولت عند كثيرين من درسٍ في الواقعية الشرعية، ومعرفة حدود القدرة، وخطورة الاندفاع غير المحسوب، إلى شعار دائم للخروج والمواجهة العسكرية، ولو مع اختلال موازين القوة، وغلبة الظن بالهزيمة، وترتب ضياع النفوس والأموال من غير ثمرة راجحة.
وكأنّ البعض يريد من الحسين (عليه السلام) أن يكون رايةً لتبرير كل اندفاع انفعالي، مع أنّ نهضته كانت ـ في جانب عظيم من دلالاتها ـ كشفاً مريراً عن طبيعة الناس، وعن تعذر الإصلاح الكامل قبل تهيؤ ظرفه الإلهي، وتنبيهاً إلى أن دولة الحق الشاملة ليست مشروع كل جيل، بل الوعد المؤجل إلى آخر الزمان، يوم يظهر قائم آل محمد (عجل الله فرجه الشريف)، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
